ما استحثني على كتابة هذا المقال هو رغبة أخي الصغير الملحة في اكتشاف أسرار الكون، فهو يعتبر أدق جُرم في هذه المجرة هدفه الأسمى، هذا التعطش دفعني للحظة أن أسأل ما هو الكون؟
أنا لا أسأل هنا عن طبقات الغلاف، ولا عن نجم العقرب ولا درب التبانة، بل أسأل مما تكون هذا الكون؟
للحظة وقف العالم مبهوراً ومصفقاً عندما قال لُوسوبس أن الكون مكون من جزء أساسي صغير وهذا الجزء نتحصل عليه من خلال تقسيم الكون إلى نصف وهذا النصف يقسم إلى نصف وهكذا دواليك حتى نصل إلى نقطة يستحيل عندها الانقسام وهذه هي وحدة بناء الكون، كان العالم لحظتها مبهوراً، وما انتهى العالم من انبهاره حتى قفز تلميذ لوسوبس المدعو دومُقراطيس وقال: ليس هذا فحسب بل واسم هذه الوحدة (ATOMOS). ومنها جاءت (ATOM) (الذرة).
لكن رغم هذا الانبهار العظيم والصخب الحاصل مازال هذا الكلام حبر على ورق فلا دليل يثبت كلامهم ولا برهان، بل وظهر فيلسوفان يستهزئان بعقلية المعلم وتلميذه وهما (ارسطو) و (بليتو) وقالا: تقسيم الكون هو عملية لانهائية فما أن نعزم أمرنا على التقسيم فلن نستطيع التوقف أبداً.
بل وأنا ارسطو كان حامي راية الفيلسوف اليوناني القديم (امبيداكوليس) القائل بأن الكون ما هو إلا نسب مختلفة من (ماء ونار وهواء وتراب).
ولأن ارسطو كان شعلة زمانه فغالبية الناس معه، واستمر الناس يعتقدون بهذا حتى جاء العالم البريطاني (روبريت بويل) في الكون السابع عشر وأصدر كتابه (الكيميائي المتشكك) وقال: لا يعقل أن نصف الكون بمجرد اتكاء وتفكر أين الأدلة القاطعة وأين البراهين؟ بل يقسَّم الكون إلى شيئين إما مركب وإما عنصر، فأما الأول فهو ما استطعنا تفكيكه إلى عناصر أبسط، وأما الأخير فهو مالا نستطيع أبداً تجزئته.
أخذ الموضوع وقتاً بعده، فمازال العالم يجرب ويفصل ويختبر ويتحقق حتى أتى العالم الروسي (دميتري مانديليف) وجمع هذه العناصر قاطبةً فيما اسماه (الجدول الدوري) كان إنجازاً عظيماً بل كان خارقاً، كيف لشخص أن يقدم لنا وصفة الكون؟ ومما يتكون هذا الكون؟
لكن كما وهو الوسط العلمي ظهر من دمر هذه الفرحة وأثبت من خلال تجربة اسماها (رقاقة الذهب) أن يبطل كلام سابقيه ويثبت أن العنصر المزعوم ما هو إلا نواة وإلكترونات تدور حولها، فصفق العالم مرة ثانية، فقاطع تصفيقهم عالم آخر وقال: النواة ذاتها تنقسم إلى بروتون ونيترون.
عليه فما الكون إلا نسب مختلفة من ثلاث أجسام، ولكن مازال للحديث بقية ظهر شخص أخر وأثبت أن البروتون والنيوترون مكونان من أجسام أدق وهي (آب كوارك) و (داون كوارك)، بذلك ارتحنا وعرفنا بالضبط ما هو الكون وأنه عبارة عن إلكترون وآب كوارك وداون كوارك، جميل وصلنا إلى النقطة النهاية.

منادي آخر من خلف الجموع يرفع صوته لحظة ثم يخفت، يقدم بالنداء ثم يحجم يقدم ثم يحجم، سألناه فقال: أعذروني ولكن هناك أربعة عشر مكون غير ما تم ذكره.
ماهي؟ لم نستطع الوصول إليها.
تنفس العالم الصعداء ولم يكملها حتى قال قائل: هذه المكونات التي أهلكتم أنفسكم في اكتشافها تشكل ٥٪ من الكون، أي هناك ما يزيد عن ٩٥٪ لم نستطع اكتشافه، بل ويستحيل ذلك.

وهنا يتجلى قوله سبحانه (وفوق كل ذي علم عليم)، فلستَ شيئاً أمام صنع الخالق القادر، ودعوتك التي أرسلتها سراً تحت غطاء الليل لن تستعصي على من خلق هذا العجب، فثق وتوكل.

للكاتبة: سحر الضبيب.

مراجعة: حليمة الشمري.

Share on facebook
مشاركة
Share on twitter
مشاركة
Share on linkedin
مشاركة

التعليقات :

اترك رد

أحدث المقالات

اشترك في النشرة البريدية

مجلة إعلامية تقدم محتوى هادف لتنمية ثقافة المجتمع وتعزيز الفنون وتبني الموهبة في بيئة تطوعية.

تواصل معنا

feslmalhdf@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة لموقع سلم الهدف © 2020

تواصل معنا

عبق إيماني

فن