واشتعل الرأس شيبًا

تعيشُ بيننا أفئدة بيضاء تعلو أكُفّها التجاعيد وترتسم على وجنتيها عثرات الزمان بأفراحه وأتراحه، تبُثُ في خلجاتِ صدورنا الرحمة وتنزِعُ من أرواحنا وخزات الألم، وجودها سكينة وقربها فيضُ من الطمأنينة.
كبارُ السن حصادُ من البركة غمرتنا الحياة به، نأنس بوجودهم ونستقي من عوالمهم الكثير من التجارب، ربما لا نفقه حجم ما كابدوه من وعثاءِ العيش، ولا تلك الندبات المريرة التي أوشمتها الحياة على أكفهم، تبدو لنا نظراتهم بائسة يائسة يعلوها الشجن وتكتحل أجفانهم الوحدة، ولسانُ حالهم كما يقول ابن العتاهية:

عَرِيتُ عن الشباب وكنتُ غضاً
كما يَعرى عن الورقِ القضيبُ
ونُحتُ على الشباب بدمعِ عيني
فما نفع البكاء ولا النحيبُ
الا ليت الشبابَ يعودُ يوماً
فأخبره بما فعل المشيبُ

ثَمّةَ حُبُ في أرواحهم لا يختزلونه ولا يتضاءل من قلوبهم، تنتشي به كل الأرواح التي تحومُ حولهم، تجدهم دائماً متورعين عن الخطايا مستمسكين بالوصايا التي هي أثمن ما يملكونه رغم كهولتهم وامتداد المشيب بهم، دعائهم الدائم لفلذاتِ كبدهم وأحاديثهم البسيطة التي لا تحمِلُ كثيراً من التكلف والتنمق تأتي عفوية، يلقونها بأسلوب فطري تشِعُ منه الرحمة والرأفة. الوقود الرئيسي لأرواحهم تلك الذاكرة الثمينة المكتظة بالتجارب التي تتأهب أفئدتهم للحديثِ عنها في كل مرة، يغمرون أحاديثهم بتلك الأفعال والاحداث التي كابدوها قديماً والأن أصبحوا لا يدخرون جهداً في بثها لنا؛ حتى نستمد منها فِطنةً لا حدود لها ونستقِ منهم يقيناً يجعلنا نستطيبُ بحياةٍ لا يشوبها حُزنُ ولا فاقة.

كُلُّ السلامةِ آيةً مأخوذةً
عن خبرة الآباء والاجدادِ
جبران خليل جبران – العصر الحديث.

اهتمامهم لا يقتصر على الأحاديث وبث التجارب لنا بل يتجاوز ذلك إلى التضحية حتى في هذا العمر، وخيرُ شاهد على هذه التضحية تلك الصورة التي اُلتقطت لذلك الرجل المُسن الذي يسكن في منطقة القصيم وينقل حفيدته كل صباح من المنزل إلى المدرسة بكرسيه المتحرك ولم يتذمر أو يُواجه عبئاً في ذلك بل على العكس من ذلك، تعلو وجهه الابتسامة ويشعر بأنه يملك الدنيا بأسرها، نُقلت لنا تلك الصورة من احدى الأشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي لنُدرك أن المشيب لا يُثني عن التضحية والعطاء، وأن المشقة مشقة الجسد لا الروح.
أكثر ما يؤرق أرواحهم ويسكب الحزن في أعينهم، تلك الجلسات الخاوية من الأحاديث المكتظة بأصوات الأجهزة الذكية التي تعلو أيدينا نلهو بها ونسلو عمن كانوا يوماً لنا بهجةً وسلوى، عمن تجاوز بهم العمر وهم يسعون من أجل ألا نشقى، من أجل ألا تغيب بشاشتُنا، من أجل ألا تغادر البسمة تفاصيل يومنا، عمن كانوا وما زالوا يرون أن السعادة بقربنا وأن وجودنا هو زينةُ الحياةِ الدنيا، (المال والبنون زينةُ الحياة الدنيا ) الكهف.
اليوم نحن نلهو عنهم ونغادر واقعهم إلى الواقع الافتراضي، ومن دون إدراك منا نجازف برحيل أرواحنا عنهم ونُبقي لهم الأجساد فقط ونغفل عن تلك الخيبة التي اكتست بها أعينهم الشغوفة بأحاديثنا، عن مرارة الصمت التي تجرعتها أفئدتهم حزناً وكمدًا!
قضاء الوقت والحديث معهم كفيلُ بترميم ما أحدثه بقلوبهم – ” فالدفء العائلي من أهم العوامل المؤثرة في الصحة النفسية لدى كبار السن ” – جمعية وقار.
كان سيدنا زكريا عليه السلام شيخاً عجوزاً قد امتد به العمر وضعف عظمه واشتعل رأسه بالشيبِ الأبيض، وكان زوجته وهي خالة السيدة مريم عجوزاً مثله لم تلد من قبل لأنها عاقر، أحس نبينا زكريا عليه السلام أنه لن يعيش طويلاً وكان يتمنى أن يرزقه الله بولدٍ يرِثُ علمه ويحمل رسالة النبوة من بعده حتى لا يضل الناس ولا يشقون، كان سيدنا زكريا لا يبوح بذلك لأحد، أفكاره وشوارد نفسه يكتمها في قلبه حتى زوجته لم يحدثها بذلك، ولكن الله كان يعلمُ ذلك كله وهو مطَّلعُ على فؤاده، وفي يومٍ من الأيام دخل سيدنا زكريا على السيدة مريم بعد أن تكفل برعايتها وكانت تمكثُ في المحراب، ووجد عندها فاكهة ليس هذا أوانها ، فقال لها : أنى لك هذا؟
(قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) سورة مريم.
فقال زكريا في نفسه سبحان الله قادرُ على كُلِ شيء وفاض الحنين بقلبه وتمنى الذرية فدعا ربه وسأل الله عز وجل من غير أن يرفع صوته فاستجاب الله له ورحم ذلك الضعف والمشيب، فما لبثَ أن كان قائماً يهمس في قلبه بدعائه لله حتى نادته الملائكة وهو قائمٌ يصلي في المحراب: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا) سورة مريم.
تلك البشرى هطلت على قلبه كالغيث، أغاث الله قلبه بالرغم من استحالة حدوث أمنياته، فامرأته كانت عاقر وهو قد بلغ من الكِبَرِ عِتيا، ولكن يقينه بالله ودعائه الصادق هما السببان في كرم الله له.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم:
(من شاب شيبةً في الاسلام كانت له نوراً يوم القيامة)
تلك الشيبة هي ذلك النور الذي يحمِلُ كثيراً من الحكمة، كثيراً من الصبر، كثيراً من القوة، تلك الشيبة هي صوت التراتيل المباركة والدعوات المحفوفة باليقين، تلك الشيبة هي الأفئدة الوجِلة العاكفة على ابتغاءِ الرضاء (وما عند الله خيرُ وأبقى).
حفِظ الله لنا وقار ذلك المشيب ورحِم الله من غادر الحياة منهم إلى البقاءِ السرمدي في كنف الله ورحمته وفسيحِ جنانه.

للكاتبة: شوق الأجوري.
تدقيق ومراجعة: حليمة الشمري.

Share on facebook
مشاركة
Share on twitter
مشاركة
Share on linkedin
مشاركة

التعليقات :

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أحدث المقالات

اشترك في النشرة البريدية

مجلة إعلامية تقدم محتوى هادف لتنمية ثقافة المجتمع وتعزيز الفنون وتبني الموهبة في بيئة تطوعية.

الرئيسية

المجلة

تواصل معنا

feslmalhdf@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة لموقع سلم الهدف © 2020

تواصل معنا

عبق إيماني

فن