قد يتبادر إلى ذهن الفرد منا فكرة الخلود، وكيف يبلغها، أو عن ترياق الحياة، والحلم بالمكوث الدائم، فهي ليست وليدة اللحظة بل هي من أبد الدهر فذلك لقمان بن عاد رجل بمئة رجل وحاسته بحاسة مئة منهم اعتلى عرش التراث العربي وشاعت قصته وبلغت أسطورته مبلغاً جللاً، فتوسط شعر العرب في جاهليتهم وإسلامهم، فما عساه يكون؟

كان لقمان بن عاد كما واسمه يصف من قوم عاد من العرب البائدة، وكان من وفدهم الذي بلغ مكة ليسألوا الله أن يرفع عنهم البلاء ويغيثهم بالمطر، وقد فعل الله وخيرهم بين السحاب في القصة المعروفة، لكن لقمان كان من بينهم ذو حكمة وعقل وميالاً لهود وطريقته فوقف في مكة فسمع منادياً يقول: يا لقمان اسأل تعطى. فقال: اللهم يا رب البحار الخضر، والأرض ذات النبت بعدَ القطرْ، أسألكَ عمراً فوقَ كل عمر. فرد المنادي وقال: قد أجيبَت دعوتكَ وأعطيتَ سؤالكَ ولا سبيلَ إلى الخلود، واختر إن شئتَ: بقاءَ سبع بقراتٍ عفْر، في جبل وَعْرْ، لا يَمسَسْهن ذعر. وإن شئْتَ بقاءَ سبع نواياتٍ من تَمر، مستَودعاتٍ في صخر، لا يَمسَسْهن نَدى ولا قَطرْ. وإن شئْتَ بقاءَ سبعة نسورٍ كلما هَلَكَ نسرٌ عَقَبَ بَعدَه نَسر.

سكت هنية ثم قال: بل سبعة نسور. وذلك أنه يقال بإن النسر يعيش ٣٠٠ عام وقيل ٥٠٠ عام. فرد عليه المنادي وقال: يا لقمان المغرور ببقاء النسور، اذهب إلى جبل أبي قبيس واصعد رأس ثُبير.
ففعل وانطلق كما قيل له فوجد عشاً فيه فرخين فاختار بينهما وعقد بقدمه خيط واسماه المصون، تيمناً بأن يصان ويحفظ، وكان هذا المصون يعرف صوت لقمان إن دعاه فلا يتأخر عنه ولا يتوانى، وذات يوم دعاه، ثم دعاه، وكرر النداء ولكن دون جدوى. انطلق لقمان للبحث عن نسره فوجده ملقاً على الأرض ميت، فصاح وجزع وضاقت به السبل وانتهى سُبع عمره.

ما هي إلا أيام حتى سمع نفس الصوت في الطائف يقول: يا لقمان اصعد أعلى الجبل، مرعى الوعل، فهناك البدل.
ففعل، ووجده كما في المرة الأولى واختار وعقد واسماه عوض، ليكون عوضاً عن سابقه، لكن الدهر مهما طال لابد وأن ينقضي، واشتد عود عوض، وناداه لقمان وبيده لحم، فأتى عوض مسرعاً يحرك الهواء بجناحيه فارتطم رأسه بغصن فسقط ومات، وجزع لقمان هذه المرة جزعاً أعظم وأشد فلقد مضى الثلث من عمره.

فمازال لقمان يمر بالنسر تلو النسر، فحصل له خلف ومن بعده المغيب ومن ثم ميسرة وأنس والختام كان مع لُبد.

فقال لقمان حين امسكه فرخاً: أنت لُبد الباقي المخلد إلى آخر الأبد، عيشك معي رغد ويزاح عنك النكد، ويوفق لك الرُشد، وعمرك لا ينفد.
ولُبد بلغة العرب تعني الدهر، وكان له من اسمه نصيب فلقد بقي مع لقمان إلى أن بلغ العجز وركضت به السنون، حتى أتى ذلك اليوم الذي قال له لقمان: انهض لبد. فكان لبد لا يقوى النهوض فقد وهن جسده ودق عظمه. فقال لقمان مرعوباً: انهض لبد، أنت الأبد، لا ينقطع بي الأمد! انهض شدد.
فقام لقمان ينهض نسره ولكن! تنتف ريشه بمجرد لمس لقمان له، مات لبد وانتهت النسور السبع، رفع رأسه لقمان فتصلبت عروق ظهره ومات.

مات لقمان بعد أن عاش قرابة ٤٠٠٠ سنه، كان الناجي الوحيد من عذاب عاد، ولكن النجاة ليست دائمة.
مات من دارت حوله الأساطير والقصص، من عاصر حقباً عربية، وصار نسياً كما لم يكن.

فالخلود حُلم الجاهل المتعشم بالحياة، فلا طريق له، والأصلح بالمرء هو استبقاء الأثر، لا استبقاء النفس والروح، وإن العمر وإن بلغ مبلغه فهو منقضي لا محالة، ولن تأخذ أكثر من حقك، فاصبر واصطبر ولعل الله محدثٌ أمراً.

الكاتبة: سحر الضبيب.
Twitter | Saharaldobib

Share on facebook
مشاركة
Share on twitter
مشاركة
Share on linkedin
مشاركة

التعليقات :

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أحدث المقالات

اشترك في النشرة البريدية

مجلة إعلامية تقدم محتوى هادف لتنمية ثقافة المجتمع وتعزيز الفنون وتبني الموهبة في بيئة تطوعية.

الرئيسية

المجلة

تواصل معنا

feslmalhdf@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة لموقع سلم الهدف © 2020

تواصل معنا

عبق إيماني

فن