أصعد الحافلة وأرمي حقيبتي في المقعد الأخير، تجهز كتفها لي كعادتها لأستند عليه وأنام قليلاً أو أسترخي بتكاسل، مستسلمة لثرثرتها الصباحية عن كل شيء، وعندما لا أرد؛ تلكزني لأنتبه أو تسحب كتفها من تحت رقبتي فيتدلى رأسي فجأة:

-ركزي معي …!

أُغمغم بفتور:

– مركزة مركزة ما عليك …

وأعدل كتفها مجدداً كمن يُعدل وسادته للنوم، وأعود لوضع رأسي على هيئته الأولى.

نغيب عن بعضنا فور دخولنا الجامعة، تنشغل كل منا بقسمها ومحاضراتها وأحداثها الخاصة، ونلتقي ظهراً لتمسح عرق جبيني وتلم شعري وتحضر لي طعاماً معلباً نتقاسمه حتى أصل منزلي، كانت تهتم بي كما لو أني طفلها أو هي أمي، كنت معها أشعر أني حقيقية وأتجرد مني، الذي أتذكره جيداً أن قلبها وسع الجميع دائماً، وكنت أنهرها أحياناً أن تخفف هذا العطاء المفرط:

-احتفظي بطاقتك… وأعطِ بقدر

لتصدمني جملتها:

-بكره أموت… وهذا اللي يبقى!

تلعثمت واستسلمتُ لها، جفلتُ للحظة من فكرة (الموت) ظننت أنها مستحيلة أو على الأقل بعيدة، هذه المرأة يجب ألا تموت، دائماً كنت أتخيل أنها عندما تغادرحتماً سيكون هناك حدث كوني خارق، كنت وحدي أشعر بهذا فينقبض قلبي، في آخر يوم جامعي لي أمسكت بكفي، ضغطت عليها بين راحتيها بضع ثوان قبل أن تتنهد وتخرج من حقيبتها أسواره خرزية ذات لون قرمزي ملفت، استغربتُ من شكلها رغم بساطته، كانت أسوارة بطابع سبحة كما لو انها سبحة مصغرة، أدخلتها في يميني وأوصتني:

– إذا تذكرتني استغفري بها ليأتيني الأجر.

فاجأتني وشعرت بتوتر كبير، كانت كمن سيرحل من غير عودة، ضحكتُ بارتباك واحتضنتها شاكرة لأخفي توتري، وفي ليلة هادئة، أفقتُ على وفاتها، شممتُ رائحة الرحيل في النبات والهواء وفي ذرات الكون من حولي، تلمستُ سوارها القرمزي، تحسستهُ بروحي للمرة الأولى، ضممتهُ بصمت ورحت أهذي:

-أستغفر الله… أستغفر الله… استغفر الله.

 

 

بقلم: عزيزة الدوسري.

تدقيق ومراجعة: حليمة الشمري.

Share on facebook
مشاركة
Share on twitter
مشاركة
Share on linkedin
مشاركة

التعليقات :

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث المقالات

لتمضي قدماً

في منتصف الليل تحتضر الكلمات أمام مشاعري التائهة، المتناقضة، الهامدة، وتتوالى الصفعات القوية التي تلقيتها

اقرأ المزيد

اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف.

“يملك الكتاب هذه القدرة الفريدة على تسليتنا وتثقيفنا، وكذلك على تمكيننا من الخروج من عالم الذات لاكتشاف عوالم أخرى، أو للوقوف على ثقافات الآخرين من خلاللقاء فكري مع كاتب أو كاتبة بين دفتَي كتاب، تمكينًا من سبر أغوار ذاتنا في آن معاً.” – رسالة المديرة العامة لليونسكو، السيدة أودري أزولاي، بمناسبة اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف. تتغير حياة الكثير بنشر ثقافة حب القراءة، نجد بالكتب عوالم أخرى بانتظارنا لنحييها بعد فترات طويلة من الزمن من العيش بداخل كتاب، وقد ألقى العالم أجمع اهتمامهباليوم العالمي للكتاب، ومن أهمها ذكرت لنا منظمة اليونسكو: “إن الاحتفال باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف إنما يتمثل في تعزيز التمتع بالكتب والقراءة وفي 23 نيسان/ أبريل كل عام، تُقام احتفالات في جميع أرجاء العالم تبرزالقوة السحرية للكتب بوصفها حلقة وصل بين الماضي والمستقبل، وجسراً يربط بين الأجيال وعبر الثقافات، وفي هذه المناسبة، تقوم اليونسكو ومنظمات دولية تمثلالقطاعات الثلاثة المعنية بصناعة الكتب ـ الناشرون وباعة الكتب والمكتبات ـ باختيار مدينة كعاصمة عالمية للكتاب كي تحافظ من خلال ما تتخذه من مبادرات على الزخمالذي تنطوي عليه الاحتفالات بهذا اليوم حتى 23 نيسان/ أبريل العام المقبل.” وهذا جزء من مقال قامت بنشره بالتزامن مع اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، قام المؤلفين بالتغريد في تويتر ومشاركة حبهم لعالم القراءة، وتأكيدًا لذلك، قام بعضهمبتجمع وبيع الكتب لمشاركة الأجيال التاريخ مع الحاضر، وأيضًا قامت منظمة الأمم المتحدة بنشر مقال عنوانه (الكتاب نافذة على العالم خلال COVID-19)، حيث أنه منالعنوان، ربطه القراء بأنه نافذة للأمل في ظل الجائحة التي أدت إلى غياب الكثير من الطلاب حول العالم عن المدارس، لن يتوقف الأطفال عن السعي للمعلومة في كتاب، أوالشعور بالمتعة من قراءة قصة في كتاب بالمحافظة على القراءة والمحافظة على الكتابة ونشر الكتب. وأيضا، أود الإشارة إلى أنه بتاريخ 26 أبريل، يكون الموافق لليوم العالمي لحقوق الملكية الفكرية، حيث تعتبر حقوق المؤلف هي القسم الثاني من أقسام الملكية الفكرية، تقدمالعديد من الجهات الحكومية خدمة الملكية الفكرية وحماية حقوق المؤلف، وذلك لكل أنواع الكتابة، حيث يندرج في تصنيفها جميع أنواع الفن الأدبي من مؤلفات وروايات،تعتبر الإدارة العامة لحقوق المؤلف في وزارة الثقافة والإعلام هي الجهة الرسمية لحماية حق المؤلف، ومن أول المصنفات التي يتم حمايتها هي الكتب والكتيبات كالمقالاتوغيرها، وذلك تحت ظل دولتنا العظيمة المقدرة للأدب والفن بكل اختلافاته. ومن ناحية اجتماعية، الكتابة والقراءة قربتنا إلى معرفة ذواتنا، في حال بحثك عن تطوير الذات، تجد الكتب التي تدعم ذلك، تطوير المهارات الوظيفية والثقافة العامة. نتواصل مع شخصيات الروايات ونتعلم من أخطائهم، هذا أمر ينمو بتعليم حب القراءة والمداومة على نشر الكتب بالمجتمعات. للكاتبة: أثير بن حويل تدقيق لغوي ومراجعة: حليمة الشمري.

اقرأ المزيد

اشترك في النشرة البريدية

مجلة إعلامية تقدم محتوى هادف لتنمية ثقافة المجتمع وتعزيز الفنون وتبني الموهبة في بيئة تطوعية.

تواصل معنا

feslmalhdf@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة لموقع سلم الهدف © 2020

تواصل معنا

عبق إيماني

فن