حمامة السّلام.. في القلب والوجدان

حمامة السّلام.. في القلب والوجدان

أكثر الأشخاص نقاءً وحُبّاً وسلامًا هُم أولئكَ الذين ينشرون البهجة في الصدور ويغرسون بذور الحُب في القلوب، يعيشون بهدفٍ سامٍ ويسعون جاهدين في تحقيقه، لا توقفهم المُعضلات وتخضع لهم العقبات.

إشراقة مُفاجِئة!
ذات مرّة في صباح أحدِ الأيام جلستُ في شرفة منزلي أرتشفُ القهوة ومتأمّلاً في شروق الشمس.. إحتجتُ لأن أُصفّي بالي من كثرة التفكير بالأشخاص والأحداث ولأن أفك قيدي من سلاسل الماضي الأليم.
أتأمّلُ الشروق على أمل أن تُشرق روحي ويغمر النور وجداني؛ فالنور بداخلي تبعثر وتشتت، وكم تمنيتُ بأن أعود مشعّاً ومشرقاً كما كنتُ دائما.
سُحقاً لأشخاص لم يقدروني وسُحقاً للمآسي التي إستنزفتني وسُحقاً للأيام التي عانيتُ فيها كثيراً، سُحقاً لتلك الليالي التي كنتُ أمشي بين ظلمات الطريق متفكّراً في كلّ ما حدث معي وأنا لا أستحقه أبداً!
ألا أستحق أشخاصًا أفضل في حياتي؟ ألا أستحق الحُبّ والإمتنان وكثرةً من الإهتمام؟ ألا أستحق إيماناً وسلاماً ووفرةً من الأحلام؟ لماذا أنا وحيد؟ ماذا ينقصني؟ لماذا تنهمر منّي دموع الحزن تحتَ مطرٍ من الذكريات؟
قطعَ حبلُ أفكاري تلك الحمامة التي وقفت أمامي وفردت أجنحتها لي وما إن رأيتها حتّى تلاشت تلك الأفكار من بالي تماماً، تأمّلتُ في جمالها الجذّاب وخِلقتها الفريدة، كانت فاقعة البياض وكحيلة العينين، عندما تفرد أجنحتها ينبعث منها ضوءًا وهّاجًا وكأنها تحتضن الشمس بين جناحيها.

يوماً بعد يوم!
كانت تلك الحمامة لا تكفّ عن زيارتي صباح كلّ يوم حتّى ألفتُ بها، تلك الحمامة كانت تبعثُ فيني شيئاً من السلام، تلك الحمامة كانت كلّ صباح تأتي وتحمل معها كل التهاني والحواس، كنتُ دائماً أبتسم لرؤيتها وأنسى كل ما مررتُ به؛ فجمالها لمّ شمل الشتات بداخلي، ورقّتها كانت لروحي بلسماً ودلالًا.
كنتُ أستيقظ من النوم بكلّ شغف لأُصلي وأُحضّر قهوتي وأراها، لا تكلّ ولا تملّ من زيارتي وكأنّي قطعة منها وكأنها قطعة منّي، كنّا نتأمّل الشروق سويّاً، ونتأمل في حياتنا وأيامنا، ونطمح بالمستقبل وما تخفيه لنا الأقدار، كنّا نتشارك الإلهام والأحلام ونتغنّى بالأماني والآمال، بين أشعّة الشمس والسحاب كنّا نحلّق في العنان بكل خفّة ولهفة ومحبّة بلا هموم تُثقل علينا ولا كثرة من التفكير تُعكّر صفوتنا.
تلك الحمامة كانت تأتي برسائل جميلة لي من عند ساعي البريد تحمل الرسالة وتضعها على الكرسي بِشُرفتي، رأيتها مرّة وعلمتُ حينها بأنّي عند تلك الحمامة مُختلف تماماً، كنتُ أجمع رسائلها الجميلة وقبل النوم دائماً أقوم بقرائتها، كانت تلك الكلمات تؤثّر فيّ حقّاً حتّى إنفطر قلبي سلاماً وتغنّى الفؤاد بالكلمات سحراً وخيالا، شعرتُ وكأن نور الشمس وُضع في صدري، شعرتُ وكأنها أُرسلت لأجلي! ولأجل أن تُخرجني من حالي وسوئي.

تحت المطر!
إستيقظتُ من نومي صباحاً على صوتِ المطر ينهمرُ بشدّة على نافذتي، ذهبتُ مباشرة إلى الشرفة ووقفت هُناكَ متأمّلاً والمطر يتساقط عليّ ما أجمل تلك اللحظات وما أروعها حقّاً، تساءلتُ عن حال صديقتي الحمامة وما تفعله في هذه الأجواء الممطرة! ثمّ شقّت الإبتسامة جزءاً كبيراً من وجهي،قمتُ بوضع يديّ على قلبي ودعوتُ الله لها وتمنيتُ أن تكون بخير وسلام.
بعدما هدأت الأجواء وأفرغت الغيوم ما فيها من ودق وظهرت تلك الألوان الجميلة في السماء بعد المطر، رأيتُ طائراً يُحلّق من بعيد آتياً بإتجاهي، قلتُ في نفسي إنها هي تلك الحمامة قد أتت لتُلقي التحيّة عليّ ولكن فجأة! رأيتُ ذاكَ الطائر يغيّر إتجاهه بعيداً عنّي فعرفتُ أنها ليست حمامتي التي كنتُ أنتظرها.

رسالتها!
وفي ليل ذلك اليوم وقبل أن أدخل إلى النوم تحديداً.. مررتُ بالشرفة فوجدتُ فيها رسالة على الكرسي! إندهشتُ ثمّ أخذتها بشغفٍ وذهبت لغرفتي، وفي ظلام الغرفة هُناك نور القمر يدخل عليّ من نافذتي، فتحتُ الرسالة بكلّ حماس وكان المكتوب فيها: “هطل المطر على منطقتنا بشكل جميل أنعش قلوب جميع السكان وكانت لك تحت المطر دعوة صادقة منّي تمنيتُ فيها أمورًا جيدةً لك كما تمنيت لأحبتي، وأعدك في كل مرة يزور المطر منطقتنا أن أُكرر نفس الشيء لأني أرى بأنك تستحق التقدم للأمام والنجاح بالقدر الذي يُرضيك”.
تلكَ الرسالة وما أجملها من رسالة، عندما قرأتها أدمعت عيني وجاشت مشاعري لمعرفتي بأنّ هُناك حقّاً من يهتّم لأمري ويتمنّى لي الخير.

كُن مُشرقاً!
أنتَ لن تتكرر أبداً فوجودكَ في هذه الحياة لهدف ومقصد ورسالة سامية، تأكد بأنك لم تُخلق عبثاً، كُن مُشعّاً بشكل انسيابي مع أمواج الحياة وتقلباتها وأفراحها وأحزانها، آمن بنفسك وازرع الحُب والجمال بداخل من يستحق ذلك، من يقدّر كل كلمة تقولها ويهتم لكل فعل حسنٍ تقوم به، حضنُ شاعري تفيضُ به مشاعر أمك أو أبيك، كلمة جميلة تصنع يوم صديق أو إبتسامة صادقة تُبهج قلب غريب، كن كما أنتَ واستمتع بحياتك كما هي، ولا تدع أي كلمة سيئة أو موقف أو مُعضلة تؤثر في تلك الشعلة الوهّاجة التي عرفك بها أحبابك.

الكاتب: عبدالله بن عبدالخالق الغامدي.

Share on facebook
مشاركة
Share on twitter
مشاركة
Share on linkedin
مشاركة

التعليقات :

اترك رد

أحدث المقالات

هدفك.

أن تحدد هدفك يعني أنك فهمت غايتك من الحياة،يعني أنك ستسخر طاقتك وكل مابوسعك لأجل

اقرأ المزيد

اشترك في النشرة البريدية

مجلة إعلامية تقدم محتوى هادف لتنمية ثقافة المجتمع وتعزيز الفنون وتبني الموهبة في بيئة تطوعية.

الرئيسية

المجلة

تواصل معنا

feslmalhdf@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة لموقع سلم الهدف © 2020

تواصل معنا

عبق إيماني

فن