الرئيسية / مجتمع / بلكوني!

بلكوني!

سأصحو في الصباح، سأتثاقل فاتحًا فمي بتثاؤب، وقبل أنْ أُصلِّي أو أغسلَ وجهي، أو أقرأ أذكارَ الصباحِ، و قبل أن أتناول إفطاري أو أقومَ بأيّ عمل سوف أفتح الكاميرا، وأُصور لكم وجهي الذي أفاق من نومه، كأنَّكم جميعًا لا تناموا ولا ينام أحد سواي، وسأخبركم ماذا سآكل بعد قليل وكيف سأستقل سيارتي، وسأصور لكم الشارع والسيارات والمارة والسماء الأرض، وسأصور لكم علبة الماء التي أشربها، وأوراق عملي التي أنجزها وكأنَّ لا أحد يعملُ سواي، فور أنْ أهم بتناول غدائي سأصوره لكم أيضا، وعندما أنتهي سأصور لكم عودتي للمنزل، وسأتفوّه بكلمات لامعنى لها قبل قيلولتي، سوف أنهض قرابة المغرب، سأجلس مع عائلتي قليلًا فقط لأصور لكم أنَّ لدي عائلة! و أتجاذب معها أطراف الحديث، ثم سأخرج إلى أي مكانٍ؛  لأنني أمرؤٌ عصريٌ، وها أنا ذا أخرج وأدور في اللامكان؛ فقط لأثبت لكم أنني مثلكم واُشْبِهُكم، و أحاول أن أنسخ حياتي مثل حياتكم بالضبط، يجب أن لا أحيد عن هذا التشابه؛ حتى لا أفقد متابعتكم لي.

في آخر الليل أكتشف أنني مرهق أصلًا من هذه التفاهة، فأحاول أن أسد هذا الخلل بأي كلام عن الصدق والحب والزمن والتاريخ والسياسة والوطن والناس، سأقول أي شئ حتى لاتلحظوا أنني فارغ من الداخل، أعود لفراشي بنفس الفراغ، أتوسد هشاشتي وأنام بعد أن صوّرتُ لكم نفسي كيف أنام، يتكررُ مشهدي هذا يوميًا لكم، مع اختلافات طفيفة أحاول بها تغيير تفاهتي قليلًا أمامكم، سوف أجري هنا وهناك؛ لأجمع المال لأقصد بذلك أفخم المطاعم والمقاهي و (المولات ) حتى تعرفوا كم أنا سعيد، وعندما أفكر بالسفر سأسافر من أجل أن أصور لكم كيف تتم حجوزاتي وأسعار مقتنياتي ومقعدي في الطائرة، سأصور لكم كيف أحمل حقائبي وسأصور لكم الأشجار والأنهار وموظف الإستقبال وسرير النوم وعندما أخلعُ حذائي، سأريكم كيف يبدو المكان عندي هنا في المكان الآخر من العالم، أنه جميل،  و أنّ المكان الذي تعيشون فيه غاية في القبح، سألهث لأريكم ( بكاميرتي ) تفاصيل الجمال حولي التي – أنا نفسي – لا أستشعر جمالها بسبب انشغالي  بتصويرها لكم، وسأساهم في جعلكم لاتروا الجمال المحيط بكم، في الحقيقة لقد نجحت في إيصال رسالتي المبطنة تلك التي مفادها أن المادة والمظاهر والشكليات هي الأهم وهي السعادة وهي التي ستبقى، انطلت عليكم الحيلة دون أن أشعر ودون أن تشعروا، أنتم ترون فقط ما أريدُ أن أريكم إياه ومؤكد أني لن أريكم كيف كنت أبكي، أو كيف انفصلت عن شريكتي وكيف وُلِد طفلي معاقًا، ولن أريكم غضب والدي مني، ولن أريكم مدى لؤمي عندما اغتبت صديقي، وآذيت جيراني وأسأت لزميل المهنة، أنا فقط لن أريكم الجانب الأسود من حياتي، سأريكم فقط تفاهتي ( المنمقة )، هذا أنا ياسادة إنه أنا المشهور المتخم بالسذاجة حد التقيؤ.

بقلم : عزيزة الدوسري.

التصميم : انوار القوفيلي

2 تعليقان

  1. لا أدري أي مبرر يتيح لك هذا الهجوم الحاد على من اختار بنفسه مشاركة الآخرين مايقوم به محباً لهذا الامر متشوقاً إليه بكل شغف فلا أحد قام بإجباره ولا أحد أجبر من يتابعه على متابعته ..فليس أحد مجبر على أحد فإن كان هذا تافها بما يصنع فإنه لن يتابعه إلا تافه مثله لا يرغب بمتابعة من يلقي الكثير من الدروس او النصائح او المعلومات القيمة عندنا التافهة عنده هو بنظره …إذن فالطيور على اشكالها تقع ولا يعني هذا أن في مشاركته للآخرين بما يقوم به أن فيه قدحاً بشخصه فربما كان من أطيب الناس قلبا وأنقاهم سجية …تقبلي مروري.

    • أهلا بكم  .. إبتداء نعم هي حرية شخصية في المقام الأول، كلا يتابع من يوافق إهتماماته، ويناسب مستوى عقليته وإدراكه وهدفه في الحياة  سواء كبر أم صغر، وكتابه مثل هذه المقالات وغيرها تهدف لنشر الوعي بالدرجة الأولى، ليست لإجبار الآخرين لإلغاء متابعه من يريدون، وهناك كثيرون افاقوا لانفسهم وأوقاتهم التي تضيع في يوميات الآخرين، وبدأو بتحقيق اهدافهم فعليا،  وهذا المقال اخي الكريم ليس قدحا في شخص بعينه كائن من كان،  فنحن قضيتنا ليست مع(الأشخاص) وإنما مع الفكرة ذاته والمبدأ عينه،  … تنويه اخير هذا المقال ساخر وليس هجومي  .

      دمتم بود/   عزيزة الدوسري
      انستقرام: ⏬aziza.aldosari11         
      _ تويتر: ⏬@aziza_aldosari

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أحدث المقالات

إشترك ليصلك جديد مقالاتنا

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من الذي دفع نيوتن للتفاحة؟

قبل عدة أعوام استيقظت ذات يومٍ وأعددت كوب القهوة الخاص بي، وأثناء ...