اذهب لله بضعفك يأتيك بقوته

يُعد الدعاء من العبادات العظيمة والمحببة لله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يشتاق لصوت عبده وإقباله عليه، ويحب الله العبد اللحوح الذي يرفع له يديه ويسأله من واسع فضله، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ سورة البقرة ( آية 186 ).
تعلّم دائمًا أن لا تطلب الحاجة مرتين وأكثر إلا من الله، وأن لا تفر منه إلا إليه؛ فهو الذي يسمعك بلا ملل ولا كلل، وهو من لديه خزائن الأرض والسماء، ولديه مقاليد كل شيء، وهو من بيده أن يبدل حالك، ويرمم جراحك، وإن شاء أعطاك ووهبك الكثير بلا منّة ودون مقابل ! فالأنبياء وهم صفوة الخلق سألوا الله حاجاتهم، وتعاملوا معه باليقين فعاملهم الله بالمعجزات.
وهنا بعض الأمثلة لدعوات الأنبياء التي استجابها الله لهم:

  • دعاء سيدنا نوح : ﴿ وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾ سورة الأنبياء ( آية 76 )
  • دعاء سيدنا أيوب: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ ﴾ الأنبياء ( آية 83-84 )
  • دعاء سيدنا يونس: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ الأنبياء ( آية 87-88 )
  • دعاء سيدنا موسى: ﴿ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يونس ( آية 88-89 )
  • دعاء سيدنا سليمان : ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ﴾ سورة ص ( آية 35)، سأل الله ملكًا لم يسبق لأحد ولن يعطى لأحدٍ من بعده، فاستجاب الله له وأعطاه سؤاله، ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ سورة ص ( آية 36-40 ). 
    ولنا في سيدنا زكريا عليه السلام أسوة حسنة جاءت، في سورة مريم مناجاة زكريا لله والذي لم ييأس رغم الظروف ورغم اشتداد الكرب وحرمانه من الولد دعى لله خفية، وهنـا تكون المناجاة الحقيقية: ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)﴾ سورة مريم ( آية 3-9 ) ، نلاحظ في هذه الآيات عندما دعـى زكريا ربه قام بوصف حالته ووهنه وكبر سنه وأخبر الله تعالى بأن امرأته عاقر !
     ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ﴾
    ألا يعلم الله حال زكريـا وزوجته؟
    بكل تأكيد نعم فلا يخفى عن الله شيء في الأرض ولا في السماء، هو الذي قدّر المقادير كلها وقسم الأرزاق من قبل أن يخلق الخلق، لم يكن يخفى عليه حال زكريا وامرأته، ‏ورغم ذلك كله إلا إنه عندما دعـى زكريا ربه وصف لله حالته بدقة وذكر حاجته له مع إحسان الظن والثقة به وهو يقول في نهاية دعائه: ﴿ وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾، ‏فرغماً عن تلك الظروف التي يعيشها زكريا ما زال يملك الثقة واليقين بالله سبحانه وتعالى، ‏وبناءً على ذلك جاءت إجابة الله له: ﴿ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ﴾.
    أعطى الله زكريا الولد وكرّمه وميزه بأن لم يكن له من قبل سمياً، هنا تتلخص الثقة بالله ونتائجها ! إن الله لا يخيب ظن من وثق به وسلم أمره كله إليه، وهي من أسباب الإجابة في الدعاء.
    من هم الذين يستجيب الله دعائهم ؟
    المظلوم والمضطر، ودعوة الوالد على ولده، الإمام العادل، والرجل الصالح، والولد البارُّ بوالديه والمسافر، ودعوة الصائم حين يفطر، ومسلمًا يدعو لأخيه بظهر الغيب، ودعوة مسلم ما لم يدعُ بظلمٍ أو قطيعة رحم، أو يقول: دعوتُ فلم أُجَب، والتَّائب لله سبحانه وتعالى، و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ( ما من مسلم ينصبُ وجهه لله في مسأَلةٍ إلاَّ أعطاه إيَّاها إمَّا أن يُعَجلها له، وإمَّا أن يدَّخرها له ) أخرجه أحمد في المسند
    و صحّ في الحديث عن النبي ﷺ: ( إن ربّكم حييٌّ كريمٌ يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردَّهما صِفرًا ليس فيهما شيء ) الراوي سلمان الفارسي، المحدث الألباني.
    أوقات استجابة الدعـاء : الثلث الأخير من الليل، آخر ساعة في يوم الجمعة، ليلة القدر، يوم عرفة، آخر كل صلاة قبل السلام، السجود ويعد من أفضل مواطن الدعاء حيث تكون فيه أقرب لله، فقد قال الله تعالى:﴿ اسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ سورة العلق ( آية 19 )، وبين الأذان والإقامة، وحين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر إلى أن تقضي الصلاة فهو محل إجابة.
    ومن آداب الدعاء التي من المفترض أن يلتزم بها العبد :
    استقبال القبلة، حضور القلب في الدعاء، وأن يبدأ العبد بالثناء والشكر لله على كل النعم، وأخيرًا الصلاة على النبي ثم الدعاء وإن كان على طهارة فهو أكمل له.
    وفي النهاية التجئ لله دائمًا فهو الذي يعلم ما في قلبك قبل أن تنطق به، ويعلم بحالك وأمنياتك، همومك صغيرها وكبيرها فالله الذي لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، لا يجهله أمرك.
    انكسر لله فانكسارك أمامه استقامةٍ وجبـر، وثق بأنه سيطبطب عليك ويذهلك بعطائه وكرمـه ورحمته، فأنت تتعامل مع الله الذي ينظر لك بعين الرحمة والمغفرة لا بعين العقاب، وهو الذي لن يخذلك ولن يتركك وإن أغلقوا البشر أبوابهم فأبوابه مفتوحةٍ لك في كل وقتٍ وحين.

الكاتبة : آسيا العتيبي
تدقيق : ندى الصريدي

Share on facebook
مشاركة
Share on twitter
مشاركة
Share on linkedin
مشاركة

التعليقات :

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أحدث المقالات

اشترك في النشرة البريدية

مجلة إعلامية تقدم محتوى هادف لتنمية ثقافة المجتمع وتعزيز الفنون وتبني الموهبة في بيئة تطوعية.

الرئيسية

المجلة

تواصل معنا

feslmalhdf@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة لموقع سلم الهدف © 2020

تواصل معنا

عبق إيماني

فن