يخترق صياح الديك المتواتر ضبابية صباح قرية (العدمة) حتى يتسلل إلى أذن (خزنة)عبر نافذتها الحديدية ذات الأشكال الهندسية المتشقلبة بطريقة توحي بطفش المهندس الذي ابتكرها حينها، تمسح خزنة خيط لعابها وتعود تدس رأسها بضجر في الوسادة، ثم فجأة تقفز خزنة مثل ملدوغ، تذكرت فجأة أن اليوم هو يوم(التبرقاعة) في هذا اليوم تحديداً سوف تودع خزنة طفولتها كلها فور أن تضع البرقع على وجهها وسيصبح من العيب ان تلعب مع الأطفال عند النخيل وأن تصنع البيوت الطينية، سوف ينتشر بين الناس أنها أصبحت أنثى بالغة وسيأتي أحدهم لخطبتها قريباً، تمتعض تهز رأسها طاردةً الفكرة تنهض مسدلةً ثوبها المشجر على ساقيها المنكشفتان طوال فترة نومها، يسكت الديك فجأة مع نهوضها وتشتغل مكينة المزرعة بطقطقتها البعيدة إذاناً ببدء صباحاً جديداً ومرحلة جديدة لخزنة، تقف أمام باب دولابها الحديدي ذا القفل المكسور تغلقه بيدها فيصدر صريراً قبل أن تظهر المرآة الملصقة في ظهر الباب أمامها، تتأمل وجهها الطفولي وجسمها النحيل تمسح على شعراتها المتطايرة من مفرق رأسها بعد النوم، تستدير نصف استداره تتأمل نفسها كما لو أنها تتعرف عليها للمرة الأولى تمسك بطرف قميصها من الخصر وتسحبه على خصرها زامتةً شفتيها ومحركةً ظفيرة شعرها على طريقة عارضات الأزياء، تحبس نفسها وهي تشفط بطنها ليبدو قوامها انحف، ثم تفلت زفيرها وتترك قميصها وتعود لشكلها الفوضوي: جوعانة.. تخرج من الحجرة فيلفحها الهواء البارد المصاحب فقط للفترة الصباحية في موسم (الوسمي)، وتشم رائحة خبز التنور في (برحة) البيت تناديها أمها من أمام التنور تأمرها أن تجلب قارورة الماء لتغسل يديها من العجين الخاص بالخبز، تجر خزنة القارورة بصعوبة تتعثر بقميصها الطويل تتوقف للحظة ترفعه وتثنيه وتربطه على خصرها تسكب الماء على يدي امها وهي تنصت لصوت مذيع الأخبار للنشرة الصباحية في إذاعة الكويت من الراديو المعلق على مقبض باب البيت تنتبه من سرحانها مع صوت الفاصل الموسيقي وتنهر خزنة من كشف ساقيها مجدداً: نزلي ثوبك..عيب.. عيب، تفك خزنة ثوبها وتسدله بسرعة، في البرحة تعد أم خزنة الإفطار تطبخ الشاي وتسكب السمن على العسل تضع كل مايخطر على بالها وماهو متوفر أمامها على طاولة الحديد الصدئة الملاصقة للتنور، تقطع الطماطم المتبقية من حصيلة المزرعة بالأمس، وريثما ينضج خبز التنور تأمر خزنة بخض حليب الماعز ليصبح لبناً، تجلس خزنة على ركبتيها تحت المظلة الحديدية التي تظلل برحة التنور والمفتوحة على المزرعة والغنم مباشرة، تصب اللبن في الـ(الصميل)تغلقه بإحكام تعلقه في الـ(المراجيح) وتبدأ في الخض، تعود أخواتها الثلاث من أداء أعمالهن، تخرج أختها نورة من حظيرة الغنم بعد أن أعلفتها وسقتها وفصلت (السخل) عن أمهاتها تمهيداً لفطامها قبل الشتاء، وتقبل (رثعاء) من النخيل وفي يدها بقايا من رطب القيظ الجاف في سلة خوص متوسطة وبيدها الأخرى قارورة ماء جديدة لتصفها بجانب قوارير الماء عند التنور ضمن الماء الحلو المستخدم لصنع الطعام، ينزعن براقعهن ويغسلن أيديهن وهن يثرثرن في روتينهن المعتاد، لايقطع صوت أحاديثهن سوى صوت اللبن يختض في الصميل، تتأمل خزنة المشهد بصمت وتفكر أنها عندما تكبر قليلاً سوف تحل محل إحدى أخواتها وتنتقل لها مهام أكثر مشقة، تنتبه خزنة لصوت أمها:

_خزنة!.. زان اللبن زان

توقن خزنة أن امها دائماً تعرف بتوقيتها الخاص أن الحليب أصبح لبناً في الوقت الذي تقول أنه أصبح كذلك دون أن تفتح الغطاء أو تتأكد لذا تتوقف خزنة عن الخض بيقين أنه استوى عندما تخبرها أمها بذلك، تفك الصميل من المراجيح تضعه فوق الطاولة الحديدية لترفعه عن التراب وتغطي الصميل بخيش رز مبللة لتحافظ على برودة اللبن أطول فترة ممكنة، وتقعد مع أسرتها على صحن الفطور الدائري تلتقط خبزة ثم تفلتها:

أحح حاااااارة، تقطع أختها قطعة صغيرة وتنفخها لها، تغيب الأم خلف البيت وقد صفت إفطاراً آخر لزوجها وأبناءها الخمسة متفاوتي الأعمار، وتعود ومعها(طاسة) حليب نوق، تضعها بين أيدي بناتها وتسكب لهن الحليب في طاسات صغيرة ملونة بالأخضر والأحمر والأزرق،

بعد الإفطار تدخل أم خزنة البيت الشعبي ذا الجدران المنخفضة والنوافذة الحديدية المزركشة، وتخرج وفي يدها برقع جديد وشرشف قطني أحمر منقط بالأصفر، تمسك خزنة من كتفها وتغرس وصاياها مباشرة وهي تنظر في عينيها: الحين خلاص صرت حرمة، الستر زين وأنا أمك، وبكرة يخطبك ولد الحلال وتصيرين تطبخين له وتغسلين وتنجبين له عيال، خلاص صرتِ حرمة، لعب مع البزران مافيه، ما إن أنهت جملتها حتى ألبستها البرقع ثم لفت على رأسها الشرشف الأحمر

تداخلت مشاعر خزنة للحظة شعرت بالخوف وأن طفولتها سُلبت منها فجأة توارت عن عائلتها عند باب بيتهم الرئيسي تتأمل بنات جيرانهم ال(حضر )يصعدن سيارة والدهن بحقائبهن المعلقة في ظهورهن ذاهبات للمدرسة في القرية المجاورة، جلست على عتبة الباب وراحت تخط بأصبعها على التراب وهي تفكر: لماذا لايمكن لي أن أدرس مثلهن؟ وهل إذا ذهبت للمدرسة سأنزع البرقع وألعب معهن، ولما لا استطيع أن أدرس وألعب وأنا بالبرقع! ما الذي يمنع؟

انتفضت على صوت أخيها يصيح بها من نافذة سيارة الـ( الشاص): ادخلي البيت عيب عيب الحرمة تطلع عند العتبة عيب.

بقلم: عزيزة الدوسري.

Share on facebook
مشاركة
Share on twitter
مشاركة
Share on linkedin
مشاركة

التعليقات :

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أحدث المقالات

اشترك في النشرة البريدية

مجلة إعلامية تقدم محتوى هادف لتنمية ثقافة المجتمع وتعزيز الفنون وتبني الموهبة في بيئة تطوعية.

الرئيسية

المجلة

تواصل معنا

feslmalhdf@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة لموقع سلم الهدف © 2020

تواصل معنا

عبق إيماني

فن