
عند رعاة الغنم، هناك نوع منها يُسمّى الضأن، وهي النعاج، ومفردها نعجة. وعندما تلد، تأتي بالبهم (الصغار)، وقد يكون المولود رَخْلًا أو كبشًا. وبعض النعاج لا ترحم مواليدها، ولا تحبّهم، فتتركهم. ويأتي الراعي بدوره ليحلب من النعاج حليبًا يُطعم به ذلك المولود (الكبش).
وبعد أيام، يرى الراعي شيئًا غريبًا، وفي الوقت نفسه خيرًا. ينظر إلى ذلك الكبش، فيراه قد تحسّن كثيرًا. ويكتشف بعد ذلك أنه يسرق من النعاج ليلًا ليسدّ جوعه ويؤمّن حياته. وكما قال الراعي: «ذلك الكبش رحم نفسه وأحبّها، لذلك سرق سرقةً مباحةً وذكية ليعيش».
وهنا لا أتحدث عن كيفية سير حياة الأغنام، وإنما عن كيفية نشوء فكرة السرقة الذكية لدى هذا الكبش لتغذية حياته.
وكما تعلمون، فإن حياة كلٍّ منا مليئة بالكثير من المسؤوليات والضغوط، والقرارات التي يجب اتخاذها، وبين فرصٍ مُغادرة وأخرى قادمة، ولحظاتٍ نعيشها. فتُعدّ السرقة الذكية حلًّا من الحلول. ولا أقصد السرقة التي تُخالف الدين والقانون، وإنما السرقة المتاحة؛ وهي أن تسمح لنفسك بأن تضيف إلى حياتك معنى. وهي تتطلب مهارةً وجرأةً، فإن كنت مستعدًّا، فانطلق.
تبدأ السرقة بأن تسرق من الحياة لحياتك؛ تقتنص تلك الفرص وتستثمرها، وتجدّد لحظاتك، وتعبّر عن عواطفك، وتتفاعل معها، وتخطط لأهدافك وتحققها.
وعندما يضجّ يومك بالكثير من الأعمال، اسرق منه وقتًا لتدبّر الآيات، واسرق من نومك ليلةً تناجي فيها ربك، واسرق من وقتك مساحةً لهوايتك.
واسرق من فراغك وقتًا للقاء كتاب، واسرق من عقلك أي فكرة سيئة أو ذكرى مؤلمة، واستبدل بها التأمل وأخذ نفسٍ طويل.
اسرق من لحظات العجز كثيرًا من الأمل، واسرق من الخوف اطمئنانًا، واسرق من الآخرين أي حديث لن يضيف إليك شيئًا.
فهناك سرقات لا يجب أن تسمح لها بأن تأتي من الخارج؛ فهناك من يسرقون من ضحكتك، ويقولون كلمتهم العامية: «إيش بقيتي للعيد؟»، ويسرقون من شغفك واجتهادك بكلماتٍ محبطة.
فحاول أن تضع حدودًا.
قال الله تعالى:
﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾
وهؤلاء سرقوا من تجارتهم وبيعهم لحياةٍ أفضل وأدوم وأبقى.
وحتى عندما تقوم الساعة، وكان بيدك شيءٌ للخير، فاسرق من خوفك، وكن على يقين وحُسن ظنّ، وازرع الخير.
فتصوّر وتخيّل ما يمكنك فعله حتى تمنح حياتك الكثير من الخير، سواء بإضافة أشخاص، أو مهارات، أو أحلام، أو فرص، أو مغامرات (سرقة لصالحنا).
وإن استطعت أن تقدّم مفهوم السرقة للواقع، فطبّقه بطريقة ذكية تخدم ذاتك جيدًا.
بقلم: صافية سعيد


