تكبر فتدرك أن أعظم انتصاراتك في الحياة كان للألم فضلٌ فيها. وربما تظلّ طويلًا تكابر، معتقدًا أن الألم لم يمنحك شيئًا سوى المعاناة والذكريات السيئة التي ما زلت تحملها معك.

في تلك المرحلة الصغيرة من العمر، لم تكن تدرك أن العالم أعمق من رغباتك، وأن للأمور مواعيدها الخاصة التي لا تتشكل دائمًا وفق ما نحب ونريد.
قد ظننت يومًا أن الحب يعني أن تُلبّى طلباتك، وأن العطاء يعني الحصول على ما تطلبه متى ما طلبته. لذلك نما بداخلك يقينٌ بريء بأن الحياة ستظل تمهّد لك الطريق كلما أشعلت في داخلك رغبة المسير.

منذ صغرك بدأ الأمر، حين كنت طفلًا مشاكسًا وعنيدًا، لا تقبل إلا باختياراتك. سواء كنت تقف أمام البائع مع والديك لتشتري حلوياتك المفضلة، أو تنتقي ألعابك بنفسك، كنت تظن أن الحياة خُلقت لتستجيب لرغباتك.

ثم تكبر قليلًا، فتكون طفل والديك المدلل؛ كل ما تطلبه يُلبّى، وكل ما تتمناه ليلًا تجده أمامك في الصباح الباكر. فتعتاد أن تأتيك الأشياء كما تريد، وأن تسير الحياة وفق ما تشتهيه نفسك.

لكن عندما يُصلب عودك، وتطأ قدماك عند عتبة الحياة الحقيقية، تكتشف أن ما في الخارج لا يشبهك، ولا يشبه ما اعتدت عليه. ومع ذلك، تعقد مع الحياة ميثاقًا من الطمأنينة، وتُقنع نفسك أن الدنيا ما زالت بخير، وأن لا شيء يدعو للقلق.

فتظل مجاهدًا في منح الحياة كل ما تظن أنه سيحميك من خيباتها، حتى تفاجئك الحياة بما لم تتوقعه، فتخذلك في أكثر الأماكن التي حسبتها حصونًا للأمان، وفي الزوايا التي آوت إليها روحك يومًا وظننتها مرفأً لك…

وبعد معارك طويلة بينك وبين نفسك، تبدأ لحظة إدراكك وأخيرًا أن كثيرًا مما كان يزعجك لم يكن يستحق كل ذلك الضجيج والطنين في رأسك. فتصبح تفهم الحياة أكثر، وتدرك أن لكل إنسان معركته الخفية،
فتشفق بدل أن تغضب،
وتعذر بدل أن تعاتب،
وترحل بهدوء بدلًا من الانتظار من غير جدوى.

هنا يبدأ الألم في إيصال رسالته لك:
“أنا هنا لست لأكسرك، بل لأهذّبك.”

فتصبح أكثر رحمة، وأقل اندفاعًا، وأكثر اتزانًا في أحكامك. فالألم لم يوجد ليتوالد علينا بالأسى، لكنه ليغيّر طريقة نظرتنا إليه.

ولعل أعظم ما يفعله الألم أنه يعلّمنا أن القوة ليست في ألّا نسقط، بل في أن ننهض في كل مرة بصورة أكثر رحمة ورفقًا ودفئًا.

وعندما تستعيد وقوفك من جديد، تذكّر أن تترك خلفك كل ما لم يعد يشبهك، وكل ما يثقل روحك أو يعيق خطاك نحو نسختك الأفضل. تمسّك فقط بما صقله الألم فيك من خُطًى ثابتة وحكمة واتزان، مهما بدا ذلك صعبًا. فبعض الجراح لا تأتينا لتبقينا عالقين في الماضي، بل لتعيد تشكيلنا بصورة أجمل مما كنا يومًا نتصور.

فالإنسان الذي لم يُهذّبه الألم سيظل منتظرًا طويلًا أمام تلك النافذة التي تُخفي خلفها راحة الأيام وعنفوان الحياة، معتقدًا أن السكينة هبةٌ تُمنح، لا ثمرةٌ تنبت من رحم المعاناة.

الكاتبة: ندى الدوسري

Share on facebook
مشاركة
Share on twitter
مشاركة
Share on linkedin
مشاركة

التعليقات :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أحدث المقالات

اشترك في النشرة البريدية

مجلة إعلامية تقدم محتوى هادف لتنمية ثقافة المجتمع وتعزيز الفنون وتبني الموهبة في بيئة تطوعية.

تواصل معنا

feslmalhdf@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة لموقع سلم الهدف © 2020

تواصل معنا

عبق إيماني

فن