كيف تجد الإيكيجاي الخاص بك ؟

قرأت في الفنون اليابانية القديمة وجذبني كثيرًا كيف لفن الكينتسوغي، وهو الإصلاح بالذهب، أن يكون مرمّمًا للجمال، بحيث يبرز في هذا الفن العيوب أكثر من الجمال لتصبح هذه العيوب مليئة بالجمالية، إن كل ندبة وخدش يبرز في هذا الفن لا يخفى!

وهو فن آسيوي قديم يعود للقرن الخامس عشر، يقوم فيه الحرفيون بإصلاح الخزف المكسور باستخدام مادة صمغية ممزوجة بمسحوق الذهب الخالص أو الفضة.

عندما يتم ترميمها بالذهب والفضة يزداد جمالها ويزداد ثمنها، وتصبح أكثر فرادة وتميزًا مما كانت عليه، إنها فلسفة بصرية تقول: “الكسر لا يعني النهاية، بل هو بداية لقصة جديدة أكثر عمقًا”.

فلِكل إنسان ندوب، فهذا الفن يجعل من الندوب تميزًا ولحنًا جميلًا لحياة الشخص، فلو نقلنا هذا الخزف من الإطار لروح الإنسانية، بحيث أن يكون لهذا الشخص قوة نفسية، نجد بأن من يتقبل ندوبه وخيباته وخذلانه، ويتصالح مع كل ما مر به، سيكون متميزًا فريدًا قويًا داخليًا ونفسيًا ومظهريًا، فكل منا يحمل في حياته “كسورًا”؛ قد تكون خيبة أو خذلان أو صدمة غيّرت مجرى حياته.

يميل الإنسان بطبيعته لإخفاء انكساراته، حتى ولو كان جريحًا يحاول التظاهر بالقوة لكي لا ينظر له أحد بنظرة ضعف، لكن فلسفة “الكينتسوغي” تخبرنا بأن مواقفنا هذه وندوبنا هي التي شكّلت هويتنا الحالية، لذلك علينا التصالح معها دون إخفائها.

من دروس هذا الفن أن نقبل النقص، وأن نعيد بناء ذواتنا من هذه التجارب، وأن نعرف بأن لكل ندبة قصة لا بد أن نتقبلها.

أيضًا هناك مفهوم الأيكيجاي، وهو فلسفة معروفة في اليابان، وهي تعنى بسبب الوجود، فإن اليابانيين يعتقدون بأن لكل شخص إيكيجاي خاصًا به، ويعتقدون بأن من لديه إيكيجاي هو من يسعى في حياته ويجد سببًا للعيش، قناعتهم هذه تشبه فكرنا الذي نعزز فيه بأن أيّ شخص لديه هدف في هذه الحياة نجد فيه روح الحياة، بعكس ذلك الذي يعيش دون أهداف حتى ولو بسيطة.

هناك أربع نقاط يربط بينها الإيكيجاي، وهي نقطة التقاء ذهبية بين أربع دوائر ذهبية:

ما تحبه: وهو شغفك والأشياء الممتعة لك وتستمتع بفعلها دون شعورك بالوقت.
ما تجيده: مهاراتك ومواهبك التي تبرع في صنعها وتميز شخصيتك عن غيرك.
ما يحتاجه العالم: وهي الخدمات وبصمتك التي تقدمها وتصنع فارقًا ولو بسيطًا في هذا المجتمع.
ما يمكنك قبض ثمنه: المهنة والعمل الذي يوفر لك دخلًا ماديًا مستقرًا.

هذه الدوائر ستشعل داخلك الشغف وتجد حينها رسالتك التي تريد إيصالها لذاتك أو للمجتمع، ومهنتك المفضلة والكافية لك.

فإن معادلة الإيكيجاي الكاملة: لأن العمل أساس الحياة، العثور على عمل يجمع الأربع دوائر معًا؛ فإن غاب عنصر واحد اختل التوازن (مثلًا: أن تجد عملًا تحبه وتجيده ويحتاجه العالم لكنه لا يجلب لك مردودًا ماليًا، ستعيش سعيدًا ولكنك فقير ماديًا).

لا تخجل من انكساراتك ولا تدفن تجاربك المؤلمة يا رفيقي، تذكر الخزف الياباني، املأ الشقوق التي داخلك بالتقبل وزينها كما تريد، اجعل من خدوشك ذهبًا ينير شخصيتك الفريدة، فإن الاختلافات هذه التي فينا والمسافات التي تشكلها الشقوق داخلنا هي المسافة التي يدخل النور منها إلى أعماقنا، فكما قال الشاعر جلال الدين الرومي: “الشرخ هو المكان الذي يدخل منه النور إلى أعماقك”.

الكاتبة: ريناد آل منسي.

Share on facebook
مشاركة
Share on twitter
مشاركة
Share on linkedin
مشاركة

التعليقات :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أحدث المقالات

اشترك في النشرة البريدية

مجلة إعلامية تقدم محتوى هادف لتنمية ثقافة المجتمع وتعزيز الفنون وتبني الموهبة في بيئة تطوعية.

تواصل معنا

feslmalhdf@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة لموقع سلم الهدف © 2020

تواصل معنا

عبق إيماني

فن