فاكهة الشتاء وأكسجين مشاعر العرب!

ما إن يُقبل موسم الشتاء وتزدهر الأرض بالمطر وتلبس أجمل حللها الزاهية من كل أنواع الورود والأزهار، إلا وتفيض مشاعر العرب وينقسمون في أرجاء المعمورة ابتهاجاً وفرحة، ممارسين طقوس الشتاء التي يشترك فيها كثير من جزيرة العرب.

“شبة النار” هي أحد تلك الطقوس التي تعارف عليها العرب منذ القدم ولها تاريخٌ مجيد في صولات العرب وجولاتهم؛ فهي العادة الشهيرة بين الأوساط العربية والتي يقضي العرب معظم أوقاتهم الشتوية بقربها، وقد تغنى بها كثير من أدباء العرب فهي تحمل رموزاً ومعاني كثيرة يعتز بها كل عربي، ويقول الشاعر عن من تخلى عن هذه العادة الأصيلة:

بعض العرب في شبة النار يحتار؟
يجي الشتاء ويروح ما شب ناره ..

شبة النار أو (الضو) كما يطلق عليها بعض سكان شبه الجزيرة العربية، هي رمز للكرم والسخاء فقد اعُتبرت دلالة لدعوة للاجتماع على القهوة، وفي هذا السياق كان العرب قديماً من شدة كرمهم وسخائهم يُوقدون النار بعد صلاة الفجر لتنتشر رائحتها في المكان ويجتمع الجيران عندها؛ لاحتساء القهوة وتجاذب أطراف الحديث الشائقة، وهي اللي تعتبر أيضًا رمزًا للترحيب بالضيوف والزوار، ويتجسد ذلك عندما تُوقد النار في المناسبات والأفراح ترحيبًا بمن أتى وحضر، كما أنَّ للنار معانٍ قيمة وسامية ونبيلة عند العرب، فالعرب يوقدونها للتدفئة شتاءً ويُوقدنها للطبخ وليهتدي ابن السبيل بنورها ولإعداد القهوة وتحضير الشاي وجلب الضيوف.
“شبة النار في الشتاء” هي من العادات الشتوية عند شبه الجزيرة العربية وتحديداً منطقة الخليج العربي، وإن لم تكن هي أبرز وأول مظاهر الشتاء ظهوراً عند أهل هذه المنطقة، فهي من أبرز مجموعة العادات التي تظهر ويتزين بها هذا الفصل المناخي، فما أن تلوح بوادر فصل الشتاء ويقترب، إلا ويسارع الناس لشراء الحطب وأنواعه المعروفة: كالسمر، والطلح، والقرض والتي تعد الأكثر جمراً والأقل دخاناً؛ لإقادها في المساء للسمر حولها، كما يبدأ البعض بالتوافد إلى الصحاري والمزارع لقضاء أجواءٍ شتويةٍ عربية غامرة السعادة، تحفها شبة النار والقهوة فتحلو معها تبادل الأحاديث الشيقة واسترجاع الذكريات الجميلة، وقد اعتبر كثير من أدباء العرب فصل الشتاء هو المحرك لمشاعرهم وذكرياتهم الجميلة والسعيدة وتجلى هذا في كثيرٍ من قصائدهم، أما نزار قباني فلم يكن من هؤلاء فقد وصف مشاعره في الشتاء بالحزينة إلى حد البكاء قائلًا:

“إذا أتى الشتاء ،،
واغتال ما في الحقل من طيوب
وخبأ النجوم في ردائه الكئيب
يأتي إلي الحزن من مغارة المساء
يأتي كطفل شاحب غريب
مبلل الخدين والرداء”.

أما الشاعر السياب فيقول مرحبًا بالشتاء بتعابير خياليةٍ وبديعيةٍ ساحرة:

“وكأنما قوس السحاب وقد بدا!
أوتار قيثار مضت تتنادم
فتقاربت حتى يعاود عزفها
روح الأنامل بالملاحن عالم
هذا الشتاء فأوسعوه تحية
فوراءه إن الربيع لقادم”.

فصل الشتاء! هو فصل الاجتماع، والحب، والسعادة، والأجواء السعيدة، فستبقى تفاصيل الشتاء البسيطة من المطر وشبة النار، لها قيمة كبيرة ومكانة خاصة في قلوب مجتمعاتنا العربية، فلطالما كانت ولا زالت مصدراً للإلهام لدى بعض الأدباء والشعراء، لتولد صوراً رائعة ومعانٍ عميقة تمثل مشاعر من في الجزيرة العربية في غضون هذا الفصل الشيق الساحر والباهي بكل معانيه.

للكاتبة: سهام الروقي.
تدقيق: حليمة الشمري

Share on facebook
مشاركة
Share on twitter
مشاركة
Share on linkedin
مشاركة

التعليقات :

10 أفكار عن “فاكهة الشتاء وأكسجين مشاعر العرب!”

  1. 385126 959193There some fascinating points in time in this post but I dont know if I see these center to heart. There may possibly be some validity but Ill take hold opinion until I explore it further. Outstanding post , thanks and then we want a lot a lot more! Put into FeedBurner too 53217

  2. 95677 999015I always visit your blog and retrieve everything you post here but I never commented but today when I saw this post, I couldnt stop myself from commenting here. Wonderful article mate! 205352

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أحدث المقالات

اشترك في النشرة البريدية

مجلة إعلامية تقدم محتوى هادف لتنمية ثقافة المجتمع وتعزيز الفنون وتبني الموهبة في بيئة تطوعية.

تواصل معنا

feslmalhdf@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة لموقع سلم الهدف © 2020

تواصل معنا

عبق إيماني

فن