
النسخة القديمة
لطالما كنتُ محاطةً بالأسئلة، وفي كل يوم يُضاف سؤالٌ جديد إلى قائمة أسئلتي التي لا تنتهي، وربما السؤال الأبرز حاليًا: لماذا يشتاق المرء إلى نسخته القديمة رغم أنها كانت أقل وعيًا وإدراكًا؟
ولماذا يبحث عن تلك النسخة في الوجوه والأماكن؟
وربما هذا ما فعلته؛ البحث الدائم عنّي، رغم أنني بالقرب مِنَّي
ولعل آخر عمليات البحث هذه كانت زيارتي لمدرستي الابتدائية، التي تحولت إلى مبنى مهجور تسكنه الحشرات والزواحف. كان قد مضى على آخر مرة زرتُ فيها هذه المدرسة، منذ انتقالي إلى أخرى، ما يقارب عشرة أعوام. وبينما كنت في طريقي إليها شعرت وكأنني عدت إلى تلك الحماسة القديمة، رغم علمي بالكم الهائل من الفوضى التي كانت في انتظاري.
وحين هممتُ بالدخول استقبلتني الذكريات، أحاطت بي وأضاقت عليّ الخناق، كحبل مشنقة.
تلك الجدران التي شهدت على ذكرياتي، على طفولتي، وأصدقاء الأمس، وذكرى الماضي.
ذلك المكان الذي كان يعجّ بالحياة أصبح موحشًا، وكم هو غريب أن تستوحش ما كنت تألفه.
شعرتُ كمن يتنفس من ثقب إبرة حين بدأت تحاصرني أسراب الذكريات من كل حدبٍ وصوب. ألقيت نظرةً أخيرة، ثم خرجت مسرعةً محاولةً التخلص من كل هذه الفوضى العاطفية.
وما إن وصلت إلى خارج المدرسة أخذت نفسًا عميقًا، وكأن الذكريات التي في الداخل ابتلعت حصتي من الأكسجين.
نظرت إلى الشمس، فإذا بها تشرق للتو، وحينها أدركت سرّ كل هذه الفوضى التي شعرت بها في الداخل؛ إنها ذكرى الزمن القديم تبدو متجليةً حاضرةً بجميع طقوسها، حيث كان الصباح بداية اليوم الدراسي، وربما في هذه الساعة التي تكاد أن تصبح السابعة تمامًا تبدأ الحصة الأولى.
ألقيت نظرةً أخيرة على المدرسة، تأملتها، ثم حزمت ذكرياتي وذهبت إلى صديقتي العجوز، فهي الوحيدة التي قد تفهم سرّ فوضاي هذه.
اقتربت من منزلها، فإذا بها تجلس في الخارج على ذلك الكرسي الخشبي، وتتناول قهوتها الصباحية.
وما إن رأتني حتى ارتسمت معالم الدهشة على محياها، ولسان حالها يقول: أيّ نوعٍ من الأسئلة تحمل هذه الفتاة هذه المرة؟
رحبت بي ودعتني للجلوس، ثم قالت:
«يومٌ جديد يعلن البدايات، لكن يبدو أنكِ لا تزالين عالقةً في الأمس، فلا أثر للنوم على تقاسيم وجهك. يا ترى، ما السؤال الذي أيقظ مضجعك هذه المرة؟»
نظرت إليها قائلة:
«وكيف عرفتِ أن لديّ سؤالًا؟»
ابتسمت قائلة:
«كما قال كافكا: “إن انعدام النوم لا يعني شيئًا سوى التساؤل؛ فلو أن المرء حصل على إجابة لنام.”»
قلت لها:
«أنتِ على حق. إنني منذ مدة أشتاق إلى نسختي القديمة، الأقل وعيًا وإدراكًا، تلك التي لا تهتم بالأمس ولا بالغد. ورغم أنني ممتنة لنسختي الحالية، فإن المرء لا سلطة له على شعوره. فشعوري الدائم بالحنين إلى تلك النسخة لم يدعني وشأني، ولم أجد طريقةً للبحث عنها سوى في مدرستي الابتدائية. وقد ذهبت إلى هناك، ويا ليتني لم أفعل.»
نظرت بدهشة ثم قالت:
«لماذا؟»
قلت:
«لقد أحاطت بي أسراب الذكريات، وأعادتني إلى أيام الصبا، وبالتحديد إلى أيام أبي وأصدقائي، وإلى نفسي القديمة. لكن الحقيقة أن شيئًا من ذلك كله لم يتبقَّ؛ حتى أنا لم أعد أشبه تلك الطفلة التي تركتها في هذه المدرسة قبل أعوام.»
صمتت لبرهة ثم قالت:
«وهذا بالضبط ما قاله روبرت دي نيرو.»
نظرت إليها قائلة:
«وماذا قال؟»
ردّت:
«إياك أن تعود إلى المكان الذي كنت فيه سعيدًا يومًا ما، لأن ذلك فخّ من فخاخ الحنين. كل شيء قد تغيّر، ولن يكون كما كان… حتى أنت.»
أصابتني تلك الكلمات في مقتل، وكأنها تصف ما أشعر به.
وبعد مدة ساد فيها الصمت قالت لي:
«الحقيقة هي أن المرء مهما وصل إلى أفضل نسخة من نفسه، سيبقى دائمًا في حالة اشتياق إلى نسخته القديمة، الأقل وعيًا وإدراكًا. وكنصيحة، إياكِ والبحث عنها، فإنكِ لن تجديها، لا في مدرسة قديمة، ولا حتى في منزل مهجور. إننا نفقد تلك النسخة الرائعة ثمنًا للوعي الذي أصبحنا عليه، فلا شيء في هذه الحياة مجاني.»
وعادت إلى صمتها، وشعرت أن رحلة بحثي هذه عن نسختي القديمة كمن يبحث عن إبرة في كومة من القش. ودعتها على أمل اللقاء عما قريب، ومضيت أحمل دهشتي وتساؤلاتي.
بقلم: نوال المطيري






