سنة كاملة مرت على غيابه لكنه كان حاضراً في قلبها فهي لازالت ترى طيفه يهز مضجعها و يؤرق نومها،و لسان حالها لا يفتر يسأل أين ذهب ؟ أين ينام؟ماذا يأكل ؟هل هو بخير ؟تساؤلات ينهيها قلبها المحزون بدعوات ترفعها للسماء تستودع فيها روحها المفقودة .
أمضت فاطمة حياتها و هي تنتظر عودة ذلك الساكن قلبها ،بالرغم من الصراع النفسي الذي كانت تمر به الا أنها تعلم علم اليقين أن الله معها ، و أنه سيرد ضالتها عاشت على هذا الأمل تنتظر عودته بين اليوم و الآخر.
تمر الأيام و هي على بساط الصبر تركن،عندما يزداد حنينها تذهب إلى خزانة ملابسه و تخرج صورته تتأملها باكيةً،ثم تقبلها بحرارة و هي تقول (اللهم رده لي رداً جميلاً)،ثم تحمل بعض ملابسه لتشتم رائحته و تقبلها هي الأخرى ،إنها لوعة الجوف و حرقةٌ ليس بعدها حرقةٌ ،و لكن ما بيدها حيلة سوى احتساب أمرها عند من بيده تصريف الأمور إذا أراد أمراً فإنه يقول له كن فيكون .
تبني أحياناً الأقدار أمامنا مفارقات لا نقوى مدادها إلا من أتاه الله صبراً يفوق الجبال و رضاً بقضاء الله و قدره.
تمضي الأيام، و تزداد فترة الغياب ، أركان البيت و ذلك الجهاز الصغير و محفظة أوراقه الرسمية كلها تعلن الحداد على غيابه ، ذات يوم كانت فاطمة في زيارة لإحدى قريباتها ،و أثناء طريقها لمحت شخصاً يشبه فقيدها، صرخت بأعلى صوتها على إبنها خالدقائلةً:توقف …توقف …إنه عُمر ،لا يا أمي إنه ليس عمر فتنهره فاطمة بقولها كلا إنه هو ….هو ،توقف .
مما اضطر خالد للتوقف إرضاءاً لإلحاح أمه الشديد ،وفي محاولةٍ فاشلةٍ منه لتهدئتها أمام خروجها مسرعةً ،غير مكترثةً بمخاطر الطريق فلم تكن ترى سوى عُمرحتى وصلت إلى ذلك الشخص و هي تناديه عُمر…عُمر ،يا حبيبي يا عُمر،أمسكت بيدها على كتفه و هي تقول لماذا تركتتي؟ليلتفت لها ذلك الشاب الرث الملابس المطلق للحيته عندها بدأت تدرك أنه ليس هو بل كان شبهاً بسيطاً في القامة و الهيئة ، عندها أفاقت من وهمها و أخذت تقول للشاب أين أهلك هل تريد أن أوصلك إلى منزلك و لكن الشاب لم يجب عليها كان يضحك فقط ضحكات هستيرية توحي بأنه شخص غير طبيعي ،في هذه الأثناء كان خالد قد لحق بأمه ليعيدها إلى السيارة و هو يقول هداك الله يا أمي أخبرتك أنه ليس عُمر ،فتجيب فاطمة بنبرات متقطعة الأنفاس و دموع تجتر بعضها أنتم ليس فيكم خير لو كان أحدكم أصابه مكروه لفداه عُمر بروحه .
تمضي الأيام متسارعةً و يعصف الفقد بفاطمة و يفقدها صحتها ،إنه قطعة من كبدها فقدته و لن يعوض خسارتها أحد .
جفت دموع العين و منابعها و بقي الحزن مكتوماًداخل الخافق يشتعل كلما مرت ذكراه ،و ذات مساء في وقت متأخر يطرق أحدهم باب المنزل ،و لم يكن هناك سوى فاطمة و ابنتها .
فاطمة من الطارق ؟أنا ؟من أنت؟أنا عُمر ؟تفتح الباب ظناً منها أنها تتخيل ما سمعت و ليس حقيقة لتكون المفاجأة التي لم تتوقعها إنه عُمر،حاولت إدخاله المنزل إلا أنه رفض الدخول أو حتى تقبيلها فكان يطلبهافقط إثباته الشخصي ، أمام هذا الرفض ومحاولات أمه الفاشلة باحتضانه تذهب فاطمةٌ مسرعةً لتحضر له الهوية و لكنها عادت إلى باب المنزل فلم تجده أخذت تنظر خارج الباب بلهفة لعله يجلس هنا او هناك ،و لكن دون جدوى تنادي بأعلى صوتها فلا مجيب أقفلت الباب وهي في حالة ذهول صاحبتها نوبة بكاء ،هل حقاًما رأيت؟ أم أنه كان خيال ؟تنادى ابنتها لتخبرها بما جرى ،حقا يا أمي كان ،عُمر ! نعم يا ابنتي و لكنه ليس عُمرالذي ترك المنزل وهوفي أحسن حال ،كان منظره سيئاً للغاية ،جاف الشفتين مذعوراًكأنه يخشى شيئاً !أردت احتضانه لكنه لم يعطني فرصة لا عليك ياأمي لعل الله أراد أن يريك إياه فتعلمي أنه على قيد الحياة ،استودعيه عند الله الذي لا تضيع ودائعه و لنستغفر الله كثيرا هو أعلم بحالنا و حاله و لن يصيبه إلا ما كتبه اللَّه .
ضاع أخوك يا ابنتي ضاع،و أي عالم خارجي سيكون أكثر رحمة به منا،ظلت فاطمة على صبرها و هي تنتظر أن يأتي اليوم الذي يطرق فيه عُمر باب المنزل مرةً أخرى وأن تراه لو قليلاً ،و هكذاظلت بحبال الصبر متشبثةً.
بعض الأقدار لا نملك لها رداً و لكن هي ابتلاء من الله،أسأل الله لكل أم فقدت ابنها أن يعيده اليها سالماً معافا.
بقلم/سهام القبي

Share on facebook
مشاركة
Share on twitter
مشاركة
Share on linkedin
مشاركة

التعليقات :

34 فكرة عن “لوعة الجوف”

  1. فاطمة المليص

    قصة قصيرة ومؤثرة تشد القارئ فلا ينفك الا يكمل قرآءتها

    استمتعت جدا. بالمحتوى والاسلوب
    دائما رائعة عزيزتي

  2. ياسلام عليك استاذه سهام ( رحيل النرجس)
    كانت قصتك … سهما (رحل )بنا .. في شلال بكاء فاطمه … وبين غياهب الوعي ل فاطمه ( بعمر ) الوهم الذي يمشي على رجليه … وبين عمر( الوهم) الذي تبخر من عند بابها.. ولم يسعف فاطمه الحظ ( ان تري ابنتها قليلا من بواقي اثره ) … ويبدو( ان عمر لم يبق له اثرا الا الاثبات الذي في صندوق امه المكلومه )
    استعدي يافاطمه ( لرحلة ) اخرى وسنه جديد ربما ( تسهم ) في احلامك بتوشح ( النرجس)

    احمد الوافي ( جار السحاب)

  3. رحمة الزهراني

    ماشاء الله روعة القصة
    ولكن كيف تركته وراحت تجيب الهوية !

    يمكن عشان عشت مشاعر الفقد والشوق باستشهاد ولدي رامي الله يرحمع ويرفع منزلته

  4. قصة جميلة ومشوقة وبصراحة تفاجئت ان البطل هو الابن وكنت أظنه الزوج وأنا أقرأ أحداث القصة ..اتوقع مستبقلا أن تكوني ذو شأن عظيم في كتابة القصة.

  5. جميل ما كتبت يداكي واحساس الواقع الذي قد نكونوا نسينا في يوما من الايام ونسينا معني الحب والتضحية/سلمت يداكي مبدعتي الجميلة

  6. تبللت عيناي طول وقت قراءتي لهذه القصة الرائعه الحزينه فقد عشت قصتها بألم وأنا أقرأ روعة النص وإبداع الخيال وبراءة الوصف أقل ما يمكن وصف الكاتبة هو الإبداع والتميز والرقي بالسرد.
    تحية عطرة لهذه الكاتبة وشكرا لهذا الوقت الممتع الذي منحتيه لي في قراءة قصتك الجميلة 🌷🌷

  7. جميل ما قرأت والأروع هو كاتبها . أبدعتي وتفننتي وتألقتي في المحتوى والسيناريو والترابط .
    استمري فأنتي فاتنه في احساسك وعباراتك . شكراً لفكرك الراقي وشكراً لقلمك البليغ ، وشكر خاص مني انا شخصياً للرائعة سهام.

  8. اسأل الله ان يرد عمرُ رداً جميلاً ، مبدعه غاليتي سِهام كعادتكِ دائماً كالقمر أينما حل أضاء أفخر بأن أضع توقيعي وخط قلمي المتواضع تحت حروفكِ دمتِ بكل خير ورفعة وعطاء تقبلي جل تقديري واحترامي..

    محبتكِ واختكِ: نور علامي
    ٢٠ شعبان ١٤٣٩هـ

  9. الأخت سهام لي ساعات وأنا أقرأ وأعيد…في لوعة الجوف….اسلوب ساحر ..وصياغتك للعبارات وكأنك تصغين عقداً من الجواهر الكريمة ….استمري

  10. قمة الابداع كاتبتنا روعة التعبير
    نحلق مع قلمك الذهبي اينما تأخذنا حروفك
    كل الود والتقدير ومزيد من النجاح

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث المقالات

علاج لمشاعرك!

يبدو لنا كثيرًا أن التلوين خاص بالأطفال، وأنه وسيلة ليفرغوا عما بداخلهم من مشاعر كامنة وأن يستمتعوا بوقتهم وأنه جزء من ألعاب الأطفال لا غير. بالحقيقة لا! إن التلوين ليس للأطفال فقط وإنما لنا نحن كبالغين أيضًا، إنه علاج نفسي أكثر من أنه مجرد تسليه، أُجريت الكثير من الدراسات عليه وكانت بعض النتائج: ١- يساعد على تقليل الجهد: وذلك بسبب قدرته في التأثير على منطقة اللوزة في الدماغ وهي المسؤولة عن شعور الاسترخاء. ٢- يطور الذائقة البصرية: حيث يتطلب القدرة على مزج العديد من الألوان لإنتاج لون جميل ومتناسق وهذا يساعدنا في اختيار الملابس أو أثاث المنزل. ٣- يساعدنا في جودة النوم: لأنه يجعلنا نترك الالكترونيات التي تسبب في خفض معدل هرمون النوم)الميلاتونين( إذا كان قبل النوم. ٤- يطور التركيز: يتطلب التلوين التركيز غير المُرهق وهذا يساعد على فتح الفص الأمامي للدماغ المسؤول عن التنظيم وحل المشكلات، مما يطور عقلنا لحل المشكلاتوتنظيم الفوضى. ٥- ينمي التفكير الإيجابي: حيث يساعدنا على التواصل مع طفلنا الداخلي وتذكر الأيام الجميلة مما يوّلد إحساًسا مذهلاً والتخلص من الأفكار السلبية. وأخيًرا، نصيحتي لك يا قارئي أن تجعل للتلوين نصيبٌ من حياتك لتحظى بشيء من النعيم الداخلي. بواسطة: أمجاد عبدالله. تدقيق: سهام الروقي.

اقرأ المزيد

الخصخصة

لا يخفى علينا هذه الأيام ماتتداوله الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي عن مشروع ضخم يؤيد رؤية

اقرأ المزيد

اشترك في النشرة البريدية

مجلة إعلامية تقدم محتوى هادف لتنمية ثقافة المجتمع وتعزيز الفنون وتبني الموهبة في بيئة تطوعية.

تواصل معنا

feslmalhdf@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة لموقع سلم الهدف © 2020

تواصل معنا

عبق إيماني

فن