الآن… حيث يبدأ كل شيء
أثناء قراءتي لكتاب «ذاتك» للدكتور زامل العريبي، لفت انتباهي قوله: “إن الذين يعيشون الحاضر هم الأكثر انسجامًا مع إيقاع الحياة، والأقدر على الاستمتاع بكل لحظة من لحظات العمر.”
حينها توقفت متسائلة: لماذا الحاضر تحديدًا؟ ولماذا يُمنح كل هذه الأهمية؟
ومن هنا بدأت رحلتي في البحث عن قيمة الحاضر وأثره في حياتنا. إنه عيش اللحظة؛ وهو الوعي التام بها دون محاولة تغييرها، بمعنى أن نكون حاضرين تمامًا، مركزين على ما نشعر به وما نفكر فيه، دون الانجراف إلى أفكار الماضي أو مخاوف المستقبل. إنه أسلوب حياة يمكن تطبيقه في جميع جوانب حياتنا اليومية.
نعيش بين ماضٍ قد انتهى، ومستقبلٍ لم يأتِ بعد، وحاضرٍ هو الحقيقة الوحيدة التي نملكها. فالحاضر ليس مجرد لحظة عابرة، بل إن حياتنا ما هي إلا مجموعة من اللحظات التي نعيشها يومًا بعد يوم، بقلوبنا ومشاعرنا، فتؤثر في ردود أفعالنا.
إن أوهام الماضي، حين نقاومها ونرفضها، تزداد، وحين نتقبلها ونسمح لها بالوجود، تتلاشى مع مرور الوقت. فرفضنا لمشاعر الخوف أو التأنيب يزيدها؛ فما نرفضه ونقاومه يزداد، وبذلك نفقد الاستمتاع باللحظة.
إن الحاضر هو نقطة البداية لكل إنجاز، وكل تغيير، وكل حلم نسعى إلى تحقيقه؛ ولذلك فإن ما سيكون عليه المستقبل ليس إلا نتيجة لما نفعله الآن. فأنت حصيلة ما تفكر به؛ لأن الأفكار تؤثر في المشاعر، والمشاعر تؤثر في الأقوال والأفعال، ثم في نمط الحياة وشخصيتنا.
إن أفعال الإنسان في حاضره هي التي ترسم مستقبله؛ فالإغراق في التفكير في الماضي قد يقود إلى الاكتئاب، والخوف من المستقبل يقود إلى القلق، مما يجعلنا نفقد اللحظة. دع قلق الغد للغد، فالمستقبل بيد الله، فاطمئن، والله معك.
وقد عبّر الحسن البصري، رحمه الله، بقوله: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك.” فتأمل يومك وما قدمت فيه من خير أو شر، حينها ستعي قيمة اللحظة، وتستشعر معية الله، وتعيش بوعي وطمأنينة.
فكل لحظة تمضي هي جزء من حياتنا، وتتطلب أن نكون حاضرين فيها بكل مشاعرنا، بصبر وممارسة مستمرة. فهي غاية داخلية تمنحك الإحساس بالمعنى، والمتعة، والإشباع، ومع الوقت والتدريب تبدأ الحياة بالعمل لصالحك بدلًا من العمل ضدك، عندما تتوقف عن الارتهان للماضي أو القلق بشأن المستقبل، فتعيش لحظات الفرح التي يسعد بها القلب، وتبتسم فيها الملامح، وتتحقق فيها الآمال.
وبالتركيز على اللحظة والاستمتاع بها، يقول المهاتما غاندي: “عِشْ كأنك ستموت غدًا، وتعلّم كأنك ستعيش أبدًا.” وبذلك تتغير نظرتنا إلى العالم، ونعيش حياة أكثر امتلاءً وسعادة، فيزول حزن الماضي وهمّ المستقبل، ونحيا بالحاضر.
ويقول جيم رون: “السعادة ليست شيئًا تريد تأجيله إلى المستقبل، بل هي شيء تريد أن تشعر به الآن.”
ولتستمتع بعيش اللحظة، عليك بالاستعانة بالله، والحرص على تعلم كل ما يسهم في تطوير حياتك وسعادتك. غيّر روتينك، وطوّر أفكارك، وهذّب مشاعرك، وحسّن ردود أفعالك. قدّر لحظاتك البسيطة، ومارس جلسات التأمل والصمت؛ ففيهما غذاء للروح. وعزز تواصلك مع الآخرين، واستمتع بلحظات اجتماع العائلة، ولحظة تناول الطعام، ولحظة اليوم الهادئ الذي يمر عليك.
فكلما كنت قادرًا على احترام الحاضر وقبوله، تحررت من الألم والمعاناة.
ختامًا:
شكرًا لكل لحظة منحتنا الإحساس بشيء جميل في هذه الحياة… فلنستمتع بها.
✍️ تهاني الدريهم







