
كيف تبدو أعماركم؟
كنتُ قد تساءلتُ يومًا—بل كثيرًا—عن ذلك السوق الذي زرته، ورأيتُ فيه تلك الملابس وخاماتها. كنتُ أمسكها بيدي وأُحدّق في تفاصيلها، وأرى أن لها أعوامًا وهي تمكث هنا، والإكسسوارات التي قد تخلّلها الصدأ. فقلتُ في نفسي: سيأتي من يشتريها، ولا أتحدث عنها من سوء شكلها أو جودتها، إلا أنني رأيتها في نفس المكان وعلى نفس الحال.
فتذكّرتُ ذلك التشابه بيننا وبين تلك البضاعة المعلّقة، والأشخاص الساكنين الذين تمضي بهم الأعمار، والحياة تجري بهم في كل اتجاه.
يا ترى، أالعمر ليس مجرد رقم؟
لأن كل رقم ومرحلة تشهد حكاياتٍ ولحظاتٍ، وإخفاقاتٍ، وترددًا، وكثيرًا من المحاولات.
أما نُصدّق أنه فعلًا العمر الذي في بطاقتك مختلف عن عمر حياتك ولحظاتك، بطريقة تفكيرك وعيشك، وتلك الخطط والتجارب؟
منهم من عاش عمره منذ البداية، والآخر أتى متأخرًا، والبعض تقدّم قبل أوانه. قرأتُ سيرة فتاةٍ كان عمرها تسعة عشر عامًا؛ طالبة، وتعمل في منصة إعلامية، وتكتب أفلامًا وثائقية، وكانت مليئة بأشياء كثيرة تنفعها على المدى البعيد.
وآخر صنع له مجدًا من الصفر، ووضع لكل مرحلة درسًا ليتعلّم ويستمر. وآخر لم يعرف إلى الآن ما هي اهتماماته، وكأنه ينتظر عمر العشرين حتى يعرف!
أيُّ عمرٍ هذا الذي يجري بنا؟ وما هي الأرقام التي يجب أن نتوقف عندها، أو نسير و نصنع عمرًا وأرقامًا أخرى؟
نعم، هناك أسباب كثيرة، وأهمها توفيق الله،
وإرادتهم أن يكونوا خلفاء في الأرض،
وتلك العزيمة التي تنبعث من روح صادقة،
والبيئة التي يُحاط بها،
والأهل الذين لا يبخلون بالدعم،
وعدم سماع المقارنات بأن تلك وصلت وذاك أصبح في مكان أفضل؛ فنتائجهم وحصادهم يختلفان عن سعينا وزرعنا.
الخصلات البيضاء، والتجاعيد المحيطة بالعيون، وزيارة تلك الأسئلة بين الحين والآخر: كيف تبدو أعماركم الآن وغدًا؟!
لا ينقضي العمر ولا يُذهب سُدى ونحن على نفس العتبة، أو مثل تلك البضاعة،
والأحلام تسير وحدها.
تعلّم وحاول أن تجعل من عمرك—في حياتك وبعد مماتك—قصصًا جميلة،
مواقف تُذكر، ونجاحات وإنجازات،
وسمعة طيبة؛ فهي للعمر بقية.
أيًّا كان عمرك: قبل العشرين، أو في منتصفه، أو على أبواب الثلاثين،
ادرس، كوّن علاقات صحية جيدة، تطوّع، وجرّب؛ فالعمر كالفرص،
والفرص متاحة أيًّا كان رقم عمرك. فاحتفظ بشبابك لهرمك بالخير والنفع.
اللهم لا تردّنا إلى أرذل العمر إلا وقد عملنا كل ما هو في رضاك.
لا يهم أنك كبرت، ولا تفرح بذلك،
المهم: كيف أصبح عقلك؟
وهل اتّسع قلبك؟
هل نما زرعك؟
وهل بدأ بستانك يزهر بالخير، أم يجف، أم يسير على ما يُرام؟
صافية سعيد ✨






