
حين يجرحنا أقرب الناس إلينا
تخيل نفسك تشارك أهلك خبرًا يسعدك، وبدلًا من أن تلمح فرحًا في عيونهم، تسمع جملة باردة أو نظرة لا مبالاة. أو تخيل أنك تحاول، قدر جهدك، أن تُثبت نفسك، وفي النهاية تظل المقارنة بابن الجيران أو ابنة الخالة حاضرة في كل حديث. هذا الشعور له اسم: الإحباط الذي يأتي من أقرب الناس إلينا، من أهلنا أنفسهم.
شعور غريب… لأنه يأتي ممن نحبهم
الإحباط عمومًا مؤلم، لكنه حين يأتي من الأهل يحمل طعمًا مختلفًا تمامًا. فنحن لا نتوقعه من الغرباء، لكننا نتوقع من أهلنا أن يكونوا الملجأ الآمن، المكان الذي لا نحتاج فيه إلى أن نبرر أنفسنا أو نثبت جدارتنا. فحين يأتي الجرح من هناك بالذات، يختلط الحزن بالحيرة، ونسأل أنفسنا: «كيف يُعقل أن أشعر بالوحدة وأنا محاط بعائلتي؟»
هذا التناقض هو ما يجعل هذا النوع من الإحباط مرهقًا بشكل خاص. فنحن لا نتعامل مع موقف عابر، بل مع علاقة نعيشها كل يوم، ونحمل أثرها معنا لسنوات طويلة.
من أين يأتي هذا الشعور؟
غالبًا ما يبدأ الإحباط من فجوة بسيطة تكبر مع الوقت. نشأ جيل الأهل بطريقة مختلفة، وتشكلت لديه توقعات معينة عن النجاح والسعادة والاستقرار، بينما نحن نعيش في زمن مختلف تمامًا، بتحدياته وفرصه. حين لا تُترجم هذه الفجوة إلى حوار، تتحول إلى نقد متكرر، أو مقارنات مؤلمة، أو شعور دائم بأن كل ما نفعله غير كافٍ.
أحيانًا يكون السبب أبسط من ذلك: أهل لا يعرفون كيف يعبّرون عن حبهم إلا بالقلق الزائد أو التوجيه المستمر، فتُقرأ نيتهم الطيبة على أنها تدخل أو عدم ثقة. وأحيانًا أخرى يكون الجرح أعمق، حين يشعر الشخص أن رأيه لا يُسمع، وأن القرارات تُتخذ نيابةً عنه حتى بعد أن كبر وأصبح قادرًا على تحمل مسؤولية حياته.
الأثر الذي يتركه هذا الشعور
الإحباط المتكرر من الأهل لا يمر مرور الكرام. فهو يتسلل إلى الثقة بالنفس، ويجعل الشخص يشكك في قراراته حتى وهو بعيد عن المنزل. البعض يتحول إلى إرضاء الآخرين على حساب راحته، والبعض الآخر ينسحب تمامًا ويقلل من التواصل، لا كرهًا، بل حمايةً لنفسه من جرح متكرر.
والمؤلم في الأمر أن هذا الشعور غالبًا لا يُقال بصوت عالٍ. فنحن نتحدث عن مشاكلنا مع الأصدقاء أو زملاء العمل بسهولة، لكن الحديث عن الإحباط من الأهل يظل محاطًا بشعور من الذنب، وكأن مجرد الاعتراف به نوع من قلة الوفاء.
حين تكون القسوة هي المشكلة نفسها
في كتابه «أبي الذي أكره»، يفكك الطبيب النفسي عماد رشاد عثمان فكرة راسخة عند كثير من الأهل: أن القسوة تصنع شخصية قوية. وهو يرى العكس تمامًا؛ فالطفل الذي يكبر وسط الإهانة أو الصراخ أو المقارنة الدائمة لا يخرج أقوى، بل يخرج بشخصية أكثر هشاشة، تحمل جروحًا تؤثر في علاقاته لاحقًا، حتى لو بدت من الخارج ناجحة أو متماسكة.
من أكثر الأفكار التي تلخص هذا الموضوع أن «الآباء الغاضبين هم أطفال غاضبون كبروا ولم يعالجوا جراحهم». بمعنى أن كثيرًا مما نتلقاه من قسوة أو تجاهل ليس موجهًا لنا شخصيًا بقدر ما هو صدمة قديمة تتكرر عبر الأجيال، ولم يجد أهلنا من يساعدهم على كسرها. هذا لا يبرر الجرح، لكنه يفسر لماذا يتكرر بالشكل نفسه بين جيل وآخر.
يذهب الكتاب أبعد من ذلك، فيصف العائلة حين تتحول إلى مصدر إساءة متكرر بأنها قد تصبح أشبه بقفص، يمنع الشخص من النمو والثقة بنفسه حتى بعد أن يكبر ويغادر المنزل فعليًا. والخطوة الأولى نحو الخروج من هذا القفص، كما يقترح المؤلف، ليست التمرد أو قطع العلاقة بالضرورة، بل الشجاعة في مواجهة الماضي والاعتراف بما حدث بصوت واضح، بدل دفنه أو التبرير له إلى الأبد.
كيف نتعامل معه دون أن نفقد أنفسنا؟
الاعتراف بالشعور هو الخطوة الأولى. لا بأس أن تشعر بالإحباط من أشخاص تحبهم، فهذا لا يلغي الحب، بل يعني فقط أن العلاقة تحتاج إلى مساحة أكبر من الفهم المتبادل.
من المفيد أيضًا أن نفصل بين نية الأهل وتصرفهم. كثير من التوقعات القاسية تأتي من خوف حقيقي عليك، حتى لو خرجت بصيغة غير مريحة. فهم هذا لا يعني قبول كل شيء، لكنه يخفف من ثقل الجرح قليلًا.
وضع حدود واضحة، بهدوء ودون قطيعة، خطوة أخرى مهمة. أن تقول: «أنا أقدّر رأيك، لكن هذا قراري» جملة بسيطة، لكنها تعيد رسم العلاقة على أساس الاحترام المتبادل بدل الطاعة الكاملة.
وهنا تحديدًا تلتقي فكرة الكتاب مع خطوات التعافي العملية: التعبير عن المشاعر المكبوتة بدل كبتها، سواء بالكتابة أو بالحديث، هو ما يعيد فتح الجرح القديم ليلتئم بشكل صحيح، بدل أن يبقى مؤلمًا من تحت السطح لسنوات.
وأخيرًا، لا بأس أن تمنح نفسك مساحة للتعافي، سواء بالحديث مع صديق تثق به، أو بكتابة ما تشعر به، أو حتى بطلب الدعم من مختص حين يصبح الأمر أثقل من أن تحمله وحدك.
في النهاية، العلاقة مع الأهل ليست دائمًا مثالية، وهذا لا يعني أنها فاشلة. فبين الحب والإحباط مساحة واسعة يعيش فيها معظمنا. وربما تكون الخطوة الأهم ليست في إنهاء هذا الشعور تمامًا، بل في تعلّم كيف نحمله دون أن يسحب منا سلامنا الداخلي.
وكما يختم عماد رشاد عثمان كتابه برسالة بسيطة تستحق أن تبقى معك: «اترك قفصك، وحلّق بعيدًا… فأنت تستحق الحب .



