كم مرة حولنا تأخر رد إلى قصة كاملة عن رفض لم يحدث ؟

قلق التفسير: حين تتحوّل الحساسية إلى عبء نفسي

بقلم: مستوحى من كتاب «متعلّق» لأمير ليفين وراشيل هيلر

كم مرة أعدنا قراءة رسالة نصية لم يصل ردٌّ عليها بعد، نحاول فك رموزها: هل تأخّر الرد لأنه مشغول فعلًا، أم لأنه غاضب مني؟ هل تلك النبرة الجافة في كلامه إشارة إلى شيء تغيّر بيننا؟ نُعيد تشغيل المحادثة في أذهاننا مرارًا، ونحلّل كل كلمة وكل علامة ترقيم، ونبني سيناريوهات كاملة من مجرد تأخّر إشعار «ظهر متصلًا». هذا النمط من الترقّب المفرط والتفسير المستمر لإشارات الآخرين بات جزءًا مألوفًا من حياتنا اليومية، خصوصًا في زمن الرسائل النصية التي تحرمنا من نبرة الصوت وتعبيرات الوجه، فتترك مساحة شاسعة للقلق كي يملأها بتأويلاته.

يقدّم كتاب «متعلّق» تفسيرًا علميًا مقنعًا لهذه الظاهرة، من خلال ما يسمّيه «نمط التعلّق القلق»، وهو أحد أنماط التعلّق العاطفي الثلاثة التي حدّدتها نظرية التعلّق. فبحسب الكتاب، لا يعاني أصحاب هذا النمط من اضطراب نفسي، بل لديهم ما يصفه المؤلفان بـ«نظام تعلّق شديد الحساسية»، وهي آلية في الدماغ مسؤولة عن رصد مدى قرب من نحب منا، ومراقبة أي إشارة قد تدل على تهديد لهذا القرب.

ولإثبات هذه الحساسية علميًا، يستعرض الكتاب دراسة أجراها باحثون في جامعة إلينوي، عرضوا خلالها على المشاركين مقاطع محوسبة لوجه يتحوّل تعبيره تدريجيًا من انفعال واضح، كالغضب، إلى تعبير محايد، أو العكس. وطُلب منهم رصد اللحظة التي يتغيّر فيها التعبير. وكانت النتيجة لافتة: أصحاب نمط التعلّق القلق كانوا أسرع من غيرهم بشكل ملحوظ في ملاحظة أي تحوّل في تعبيرات الوجه؛ أي إنهم يمتلكون حساسية حقيقية وقدرة دقيقة على رصد الإشارات الانفعالية للآخرين.

لكن الدراسة نفسها كشفت عن الوجه الآخر لهذه الحساسية، وهو ما يختصره الكتاب في ملاحظة دقيقة:

«يميل أصحاب نمط التعلّق القلق إلى التسرّع بشكل كبير في الاستنتاج، وعندما يفعلون، يميلون إلى سوء فهم الحالة الانفعالية للآخرين.»

بمعنى آخر، القدرة نفسها التي تجعلنا نلتقط أدق التفاصيل في نبرة رسالة أو تعبير وجه، هي القدرة ذاتها التي قد تقودنا إلى استنتاجات خاطئة إن لم نمْهلها وقتًا كافيًا قبل الحكم. فالحساسية المرهفة تصبح نعمة حين تُستخدم بتأنٍّ، ونقمة حين تتحوّل إلى ترقّب دائم مشحون بالخوف.

ويشير الكتاب أيضًا إلى أن هذا القلق، حين يُستثار، يدفع صاحبه إلى ما يسمّيه «استراتيجيات التفعيل»، وهي مجموعة الأفكار والسلوكيات القهرية التي تهدف إلى استعادة الشعور بالأمان: إعادة قراءة الرسالة مرارًا، وتفقّد الهاتف باستمرار، والتفكير المتواصل في الشخص الآخر لدرجة يصعب معها التركيز على أي شيء آخر. وهي سلوكيات نعرفها جميعًا في عصر الإشعارات ومؤشرات «متصل الآن»، حين يتحوّل انتظار الرد إلى حالة من الترقّب العصبي الذي يستنزف طاقتنا الذهنية بأكملها.

ورغم أن الكتاب يتناول هذا النمط أساسًا في سياق العلاقة العاطفية، فإن الآلية النفسية نفسها لا تتوقف عند حدودها؛ إذ يعيشها كثيرون في علاقاتهم بالأصدقاء أو الأهل أو حتى زملاء العمل. فرسالة لم يُرَدّ عليها في مجموعة عائلية، أو تعليق مقتضب من صديقة مقرّبة، يمكن أن يستحضر الحلقة ذاتها من إعادة القراءة والتأويل والقلق. فالحساسية الزائدة لإشارات القرب والبعد ليست خاصية في علاقة بعينها، بل سمة في طريقة تعامل بعضنا مع الناس عمومًا.

الأهم مما تكشفه هذه الأبحاث هو أن المخرج من هذه الحلقة ليس كبت الحساسية أو التظاهر بعدم الاكتراث، بل تعلّم إمهال النفس وقتًا قبل ترجمة كل إشارة إلى حكم قاطع. فالفارق بين شخص يقرأ الإشارات الاجتماعية بذكاء وآخر يُنهك نفسه بتأويلات لا أساس لها ليس في درجة الحساسية بحد ذاتها، بل في المسافة الزمنية والعقلية التي يمنحها كل منهما لنفسه قبل أن يستنتج.

وفي السياق نفسه، يشير الدكتور وليد السحيباني، استشاري الطب النفسي، في تصريحات لصحيفة «الوطن» السعودية، إلى أن بناء أواصر الثقة منذ الطفولة هو ما يقي لاحقًا من الوقوع في أنماط تعلّق غير صحية. وهو ما يتقاطع مع خلاصة الكتاب: فكلما شعر الإنسان بثقة كافية في محيطه الأول، قلّت حاجته لاحقًا إلى هذا الترقّب القلق الذي يجعله يقرأ كل تأخّر أو نبرة عابرة على أنها تهديد محتمل.

ولعل هذا ما يستحق أن نتأمله في عالم أصبحت فيه الرسائل النصية والإشعارات لغتنا اليومية الأولى للتواصل: أن نتوقف قليلًا قبل أن نحوّل تأخّر ردٍّ، أو نبرة عابرة، إلى قصة كاملة نرويها لأنفسنا عن رفض لم يحدث بعد.

Share on facebook
مشاركة
Share on twitter
مشاركة
Share on linkedin
مشاركة

التعليقات :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أحدث المقالات

اشترك في النشرة البريدية

مجلة إعلامية تقدم محتوى هادف لتنمية ثقافة المجتمع وتعزيز الفنون وتبني الموهبة في بيئة تطوعية.

تواصل معنا

feslmalhdf@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة لموقع سلم الهدف © 2020

تواصل معنا

عبق إيماني

فن