
الاعتياد: لماذا يحتاج الإنسان إلى أن تصبح الأشياء عادية؟
ربما لا تكمن أزمة الإنسان المعاصر في كثرة الضغوط، بل في الطريقة التي أصبح ينظر بها إلى الحياة. فكل شيء اليوم يُقدَّم على أنه حدث استثنائي؛ النجاح استثنائي، الحب استثنائي، السفر استثنائي، حتى فنجان القهوة أصبح يحتاج إلى صورة وقصة ليبدو جديرًا بالاهتمام.
ومع مرور الوقت، لم تعد المشكلة في الأحداث نفسها، وإنما في المكانة التي منحناها لها داخل وعينا. لقد أصبحنا نعيش في ثقافة تُقدّس الاستثناء، حتى باتت الحياة العادية تبدو وكأنها فشل مستتر.
من هنا نشأت مفارقة غريبة؛ فكلما ازدادت رغبتنا في الشعور بالتميز، ازداد شعورنا بعدم الرضا. وكلما سعينا إلى حياة مليئة بالأحداث الكبيرة، فقدنا قدرتنا على الاستمتاع بما هو بسيط ومستقر.
إن الإنسان لا ينهكه الواقع دائمًا، بل ينهكه تضخيم الواقع.
حين يخسر وظيفة، لا يرى خسارة مصدر دخل فحسب، بل يرى انهيار مستقبله. وحين تنتهي علاقة، لا يشعر بألم الفراق فقط، بل يعتقد أن قيمته الشخصية قد تلاشت معها. وحتى النجاح، الذي يفترض أن يكون مصدرًا للطمأنينة، يتحول إلى عبء، لأنه يخلق خوفًا دائمًا من فقدانه.
ولعل المشكلة الأساسية تكمن في أننا نمنح الأشياء وظائف ليست لها. فالمال يتحول إلى معيار للكرامة، والوظيفة إلى معيار للهوية، والإعجاب إلى معيار للقيمة، والعلاقات إلى مصدر للسعادة. وعندما نفعل ذلك، فإننا لا نحمل الأشياء فوق طاقتها فحسب، بل نحمل أنفسنا فوق طاقتنا أيضًا.
في علم النفس، توجد ظاهرة تُعرف بـ«التكيف اللذّي»، وتعني أن الإنسان يعود مع الوقت إلى مستوى قريب من اتزانه بعد معظم الأحداث، سواء كانت مفرحة أو مؤلمة. وكأن العقل يقول لنا إن الاستثناء لا يمكن أن يبقى استثناءً إلى الأبد، وإن الحياة لا تُبنى على اللحظات الحادة، بل على القدرة على تحويلها إلى جزء من النسيج الطبيعي للحياة.
لكن ثقافة العصر تقاوم هذا الاعتياد. فهي تخبرنا باستمرار أن كل يوم يجب أن يكون مختلفًا، وأن كل إنجاز يجب أن يكون أكبر من سابقه، وأن الإنسان الناجح هو من يعيش سلسلة لا تنتهي من اللحظات الاستثنائية.
وهذا الوهم مكلف نفسيًا.
فالإنسان الذي لا يسمح للأشياء بأن تصبح عادية، سيظل أسيرًا لها. سيخاف فقدانها، وسيبالغ في حمايتها، وسيقيس نفسه بها كل يوم. أما الإنسان الذي يسمح للنجاح بأن يصبح طبيعيًا، وللمال بأن يكون وسيلة، وللمدح بأن يكون رأيًا، وللنقد بأن يكون احتمالًا، فإنه يستعيد حريته تدريجيًا.
ولهذا يمكن النظر إلى الاعتياد بوصفه مهارة نفسية، لا حالة من البرود. إنه القدرة على إعادة الأشياء إلى أحجامها الحقيقية، فلا نُقدّسها ولا نحتقرها، ولا نربط بها قيمتنا الإنسانية.
إن الاعتياد لا يقتل الشغف، بل يقتل الهوس. ولا يمنع الفرح، بل يمنع أن يصبح الفرح شرطًا للسلام الداخلي. ولا يلغي الحزن، بل يمنعه من التحول إلى هوية دائمة.
ولعل أكثر ما يحتاجه المجتمع اليوم ليس مزيدًا من الحماس، بل مزيدًا من التطبيع مع الحياة الطبيعية. أن يصبح النجاح نتيجة متوقعة للاجتهاد، لا معجزة. وأن يصبح الفشل تجربة قابلة للتكرار والتجاوز، لا نهاية الطريق. وأن تصبح الأيام الهادئة أيامًا مكتملة، لا أيامًا مملة.
فالاتزان النفسي لا يتحقق عندما تختفي المشكلات، وإنما عندما تتوقف الأشياء عن احتلال مساحة أكبر من حجمها الحقيقي.
ربما لهذا لا تكون الحكمة في أن نبحث عن حياة مليئة بالأحداث، بل في أن نتعلم كيف نجعل الأحداث تعود إلى مكانها الطبيعي داخل الحياة.
فحين تصبح الأشياء عادية… يعود الإنسان إلى طبيعته.




