
الثقل والخفة
مما لا شك فيه أن الوجود الإنساني يتأرجح بين الثقل والخِفة، فكل ما نحمله طيلة مسيرة حياتنا المؤقتة مرهون بهذين الأمرين؛ فالثقل هو ما نتحمله من قرارات ومسؤوليات وطريقة عيش، أما الخِفة فهي التحرر من ذلك كله، ولكن بلا معنى!
إذن، هل نختار الثقل ونمنح حياتنا معنى، أم نختار الخِفة ونفقد المعنى؟
وهذا ما تساءل عنه الكاتب كونديرا في روايته كائن لا تُحتمل خفته.
فالثقل، بطريقة ما، يربطنا بالحياة؛ فمثلاً، التزامنا تجاه عمل ما، أو سعينا وراء تحقيق هدف، أو حتى اهتمامنا بتفاصيل حياتنا، هو ما يجعلنا نستيقظ كل يوم من أجل هذا الالتزام، وهو ما يجعلنا نحدق في المرآة في نهاية اليوم بشيء من الرضا؛ لكون هناك معنى لهذا الوجود، رغم عبء المسؤولية وصعوبة التغلب على مغريات الحياة.
بل إن النجاحات والإنجازات التي حققناها، كما أنها تدعو إلى الفخر والاعتزاز، فهي عبء يُضاف إلى الذات أيضاً، كما قال الفيلسوف وعالم النفس ويليام جيمس: «كل ما يُضاف إلى الذات هو عبء، مثلما هو مفخرة».
بينما الخِفة، بالمعنى المتعارف عليه، هي التخلي عن كل الروابط والمسؤوليات، حتى ينتهي بنا الأمر إلى حياة فارغة، أقرب إلى التفاهة، تُلغي إلى حد ما الوجود والميزة الإنسانية.
ومن وجهة نظري المتواضعة، أرى أن ثقل المسؤوليات والالتزامات، وعبء القرارات وتبعاتها، هو ما يمنح الحياة معناها، ويميز الإنسان عن سائر المخلوقات، حتى لو كان يشوبه الألم. وربما لا تكمن الخِفة في التحرر من ذلك كله، بل في تحرر الروح مما يُثقلها من مشاعر كالحقد والكراهية، تلك المشاعر التي تُثقل كاهلها وتجسد معنى العبء الحقيقي في منظوري الشخصي.
وحتى لو تحررنا من مسؤولياتنا، فإن وجود تلك المشاعر السلبية سيجعلنا عاجزين عن التحرر من الثقل أبداً.
بقلم/ نوال المطيري






