
نسير عبر دروب المسير
يقول أنطونيو ماتشادو، وهو شاعر إسباني شهير:
“أيها السائر، لا وجود لطريق،
الطريق يُصنع بالسير.”
لن نكرر المعتاد، ولكن لنتذكّر: ماذا لو أننا بقينا واقفين عند بداية الطريق الذي لم يكتمل تعبيده، ننظر إلى المسافة وإلى الأشواك الغائرة التي قد تنغرس فينا أثناء مرورنا فيه، ثم نتوقف خوفًا أو لأن ضعف الإرادة يسيطر علينا، فنظن أننا لن نستطيع؟ عندها قد نجد أنفسنا نلتفّ ونغادر، ونترك الطريق الذي ربما كان طريق نجاتنا ونجاة أحلامنا من الضياع…
ليس كل ما يريده المرء يدركه، وهذه عبارة حقيقية جدًا، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة عدم التحرك واتخاذ هذه الفكرة ذريعةً للكسل. نعيش ونحاول التعايش مع كل تلك الأشواك التي لم نستطع تجاوزها، أما التي تجاوزناها فنحن ممتنون لله، ولقدرتنا وقوتنا على التخطّي.
قد نُصاب بأمور لا نتخيّل يومًا أننا سنعبرها ونكمل السير بعدها دون أن نلتفت إليها، رغم أنها قد تترك داخلنا أحافير غائرة وحممًا نعاني طويلًا في إخمادها، لكن في النهاية يهدأ ذلك البركان داخلنا، وتبرد أرواحنا بالرضا، ونستطيع حينها أن نرسم دروبًا حافلة بالإنجازات والراحة والهدوء الذي يتناسب مع شخصياتنا وحياتنا بشكل عام.
فكما قال فريدريش نيتشه:
“لا يمكن لأحد أن يبني لك الجسر الذي تعبر منه لتغيّر مجرى حياتك، لا أحد يمكنه ذلك سواك أنت.”
بمعنى أن لا أحد يستطيع أن يعبُر عنك نهر الحياة أو يمهّد لك الجسر الذي يجب عليك عبوره بنفسك. صحيح أن هناك مسارات وجسورًا وقادةً لا حصر لهم يريدون مساعدتك، لكن هناك طريقًا واحدًا في العالم لا يمكن لأحد غيرك أن يسلكه.
فإلى أين يؤدي؟ لا تسأل، بل سِر فيه.
كل الدروب التي تنظر إليها بشعورٍ غير واثق ومهتز، أقدِم عليها؛ فأنت في طريقك الصحيح. فالبدايات، في كل الأمور وقصص النجاح، تبدأ غالبًا بشعورٍ من التردد وعدم اليقين، ولكن عندما تنغمس في بناء ذاتك ستجد نفسك أكثر ثقة، وخطاك أكثر ثباتًا بعون الله ثم بجهدك. لذلك اسعَ ولا تلتفت؛ فكل ما فاتك لم يكن لك، وكل ما هو قادم سيحمل لك نصيبك الخير بإذن الله، وكل ما تتعثر فيه ستتعلّم منه. لذلك لا تندم، واعبر تلك الدروب الوعرة بكل ثبات وشغف، واستشعر كل لحظة؛ لأن المتعة الحقيقية تكمن في الطريق، لا في قمة الوصول.
فلنجعل لأنفسنا قوة نستطيع بها أن نسير في دروب الحياة؛ مترددين في البداية، ثم واثقين، ثم ثابتين. فإن شعورك بأن لديك هدفًا وتسعى إليه سيجعل مشقة الطريق أكثر سهولة ومتعة. فلكل إنسان مساره الذي يعيش فيه، وطريقته الخاصة في عيش حياته والاستمتاع بها. وتذكّر، كما قال جلال الدين الرومي:
“بينما تسير في الطريق… يظهر لك الطريق.”
تذكّر أن الحياة ليست مشكلة يجب إيجاد حلول لها، بل هي دروب وحقائق يجب عيشها وتجربتها.
— ريناد آل منسي






