
هل الألم يُهذّبنا؟
تكبر فتدرك أن أعظم انتصاراتك في الحياة كان للألم فضلاً فيها. وربما تظلّ طويلًا تكابر، معتقدًا أن الألم لم يمنحك شيئًا سوى المعاناة والذكريات السيئة التي ما زلت تحملها معك.
في تلك المرحلة الصغيرة من العمر، لم تكن تدرك أن العالم أعمق من رغباتك، وأن للأمور مواعيدها الخاصة التي لا تتشكل دائمًا وفق ما نحب ونريد.
قد ظننت يوماً أن الحب يعني ان تلبى طلباتك، وأن العطاء يعني الحصول على ما تطلبه متى ما طلبته. لذلك نما بداخلك يقينٌ بريء بأن الحياة ستظل تمهد لك الطريق كلما أشعلت في داخلك رغبة المسير
منذ صغرك بدأ الأمر، حين كنت طفلًا مشاكسًا وعنيدًا، لا تقبل إلا باختياراتك. سواء كنت تقف أمام البائع مع والديك لتشتري حلوياتك المفضلة، أو تنتقي ألعابك بنفسك، كنت تظن أن الحياة خُلقت لتستجيب لرغباتك.
ثم تكبر قليلًا، فتكون طفل والديك المدلل؛ كل ما تطلبه يُلبّى، وكل ما تتمناه ليلاً تجده أمامك في الصباح الباكر. فتعتاد أن تأتيك الأشياء كما تريد، وأن تسير الحياة وفق ماتشتهيه نَفسك .
لكن عندما يُصلب عُودك ، وتطأ قدماك عند باب عتبة الحياة الحقيقية، تكشتف أن ما في الخارج لا يشبهك، ولا يشبه ما اعتدت عليه. ومع ذلك، تعقد مع الحياة ميثاقًا من الطمأنينة، وتُقنع نفسك أن الدنيا ما زالت بخير، وأن لا شيء يدعو للقلق.
فتظل مجاهداً في منح الحياة كل ما تظن أنه سيحميك من خيباتها، حتى تفاجئك الحياة بما لم تتوقعه، فتخذلك في أكثر الأماكن التي حسبتها حصونًا للأمان، وفي الزوايا التي آوت إليها روحك يومًا وظنّنتها مرفأ لك..
وبعد معارك طويلة بينك وبين نفسك تبدأ لحظة إدراكك وأخيراً ، أن كثيرًا مما كان يزعجك لم يكن يستحق كل ذلك الضجيج والطنين في رأسك. ف أصبحت تفهم الحياة أكثر، وتدرك أن لكل إنسان معركته الخفية،
فتشفق بدل أن تغضب،
وتعذر بدل أن تعاتب،
وترحل بهدوء بدلاً من آلانتظار من غير جدوى
هنا يبدأ الألم في إيصال رسالته لك ؛
” أنا هُنا لست لأكسرك ، بل لأهذبك”
فتصبح أكثر رحمة، وأقل اندفاعًا، وأكثر اتزانًا في أحكامك. فالألم لم يوجد ليتوالد علينا بالأسى، لكنه ليغير طريقة نظرتنا اليه.
ولعل أعظم ما يفعله الألم أنه يعلّمنا أن القوة ليست في ألّا نسقط، بل في أن ننهض في كل مرة بصورة أكثر رحمة ورفقاً ودفئاً.
وعندما تستعيد وقوفك من جديد، تذكر ان تترك خلفك كل ما لم يعد يشبهك، وكل ما يثقل روحك أو يعيق خطاك نحو نسختك الأفضل. تمسّك فقط بما صقله الألم فيك من خطى ثابته و حكمة واتزان مهما بدا ذلك صعباً. فبعض الجراح لا تأتينا لتبقينا عالقين في الماضي، بل لتعيد تشكيلنا بصورة أجمل مما كنا يوماً نتصور.
فالإنسان الذي لم يُهذّبه الألم سيظل منتظرًا طويلًا أمام تلك النافذة التي تُخفي خلفها راحة الأيام وعنفوان الحياة، معتقدًا أن السكينة هبةٌ تُمنح، لا ثمرةٌ تنبت من رحم المعاناة.
الكاتبة: ندى الدوسري






