
أصل التناقض
بدأ الشتاء يطرق الأبواب، والخريف يحزم أمتعته، استعدادًا للرحيل وبين فصلٍ وآخر تتغير أشياء عدة بما في ذلك نحن.
لأننا الكائنات الوحيدة التي لا تكف عن طرح الاسئلة، وترى الوجود غامضاً وأكبر تلك التساؤلات:
وربما آخر تلك الاسئلة هو ما راودني مؤخراً، وكان نتيجة حديث عابر مع اختي.
استيقظت في إحدى الصباحات وكان الجو مُلبداً بالغيوم، مع نسمة هواء باردة مُعلناً بذلك بداية فصل الشتاء الفعلي
كانت اختي تجلس في الخارج سعيدة بهذا القدوم الجميل لفصل الشتاء
اقتربت منها قائلة: اتى الفصل الذي تحبينه لا بد انك سعيدة الان
ردت علي : اجل لا تعلمين حجم السعادة التي اشعر بها، وانتِ لا بد انكِ حزينة لأنك لا تحبين الشتاء
ابتسمت ونظرت إليها : في الحقيقة أنا احبه وأكره في الوقت نفسه،
عقدت حاجبيها بدهشة: كيف ذلك؟،
أجبتها قائلة: احب منظر الغيوم انه يضفي شاعريةً منقطعة النظير على هذه البقعة الجغرافية، أنه يجعل الكلمات تتدفق إلى الورق بسهولة، وهذا يجعلني أكتب أكثر بعكس فصل الصيف.
قالت أختي : فهمت لماذا تحبينه لكن لماذا تكرهينه ايضاً؟!،
قلت لها : اكره الشعور بالبرد كم يكون قاسٍ، على اولئك الذين لا يجدون مأوى يقيهم زمهرير الشتاء.
عمّ الصمت لحظات.
ثم قالت : لكن رغم أسبابك التي تحدثتي عنها أرى ان ذلك غاية التناقض فالمرء، أما أن يحب الشيء كله او يكره كله،لا وسطية في هذه الحياة.
ثم انصرفت إلى الداخل،
وبقيت أنا مصابةً بالدهشة، ماذا يعني ان اكون متناقضة، بدأت التساؤلات تُحيط بي من كل حدب وصوب ولم اجد مفر منها سوى لقاء صديقتي التي لطالما شاركتها تساؤلاتي وكانت خير من يجيب عنها
ذهب إليها ووجدتها تحتسي القهوة في حديقة منزلها ، انها امرأة كبيرةً في السن ممزوجة بالحكمة وتجارب الحياة،
اقتربت منها وألقيت التحية ابتسمت وكانت سعيدة بهذا اللقاء دعتني للجلوس بجانبها وفعلت.
لاحظت شرود ذهني،
وقالت : ما هو التساؤل الذي يحاصرك اليوم ؟،
نظرت إليها قائلة : حدث نقاش عابر بيني أنا وأختي حول سبب حبي وكرهي لفصل الشتاء وحين انتهيت من شرح أسبابي نعتتني بالمتناقضة !
صمتت صديقتي لبرهة ثم قالت : إليس ذلك تناقضاً!؟
قلت لها : ربما اكون كذلك لكن الغريب في ذلك ان الحياة البشرية قائمة على التناقضات ولا تخلو منها!
اندهشت صديقتي مما قلت
وبعد لحظات قالت لي: أنا هذه المرة لا أفهمك !
قلت لها : الحياة فيها الكثير من التناقضات .. السعادة .. الحزن ، الخوف ، الطمأنينة ، الفراق ،اللقاء ، الصداقة .. العداء ،الحب، الكراهيه
وغيرها الكثير نحن نعيش التناقضات في مسيرة حياتنا هذه ولا ندرك ذلك ونندهش حينما نُصاب بشيء من هذا التناقض في تفضيلاتنا للأشياء،
كانت تستمع لي بالكثير من الإعجاب وقالت: أنتِ على حق نحن نمارس التناقض يومياً ولا نشعر بذلك بل ننعت من يتصف به وننسى أنها طبيعة هذه الحياة وأثرها الذي طبعته الأيام على أرواحنا.
شعرت بالراحة وأنني وجدت اجابة لتساؤلاتي ودعت صديقتي ومضيت في طريقي كنسمة هواء دافئة رغم برودة الشتاء التي لا احبها.
بقلم: نوال المطيري






