
كنت دائماً أتساءل عن حقيقة مبادئ الإنسان والحدود التي صنعها لنفسه، وتلك التي صنعها المحيط والحياة له، وربما يكمن تساؤلي الحقيقي عن مدى تشبث المرء بها والتزامه الشديد بعدم الخروج عنها، لكن كحال كل الأشياء، لن ندرك حقيقتها ما لم توضع تحت مقصلة التجربة، وتمر باختبارات الحياة
ولعل أشهر التجارب في هذا السياق كانت تجربة ميلغرام، وهي واحدة من أشهر وأجرأ التجارب في تاريخ علم النفس الاجتماعي، التي كان هدفها قياس مدى استجابة الأفراد العاديين للأوامر السلطوية عندما تتعارض هذه الأوامر مع ضمائرهم الأخلاقية، والتي كان من أبرز نتائجها أن الإنسان إذا وضع تحت ضغط أو في ظرف معين، قد يتخلى عن مبادئه بكل سهولة.
وحين نغوص أكثر في دراسة النفس البشرية، تتكشف لنا تجارب أخرى تزلزل اليقين المطلق الذي نعيشه؛ مثل تجربة سجن ستانفورد الشهيرة التي قادها فيليب زيمباردو. في تلك التجربة، تم توزيع طلاب جامعيين أسوياء وأخيار عشوائيًا ليتقمصوا أدوار حراس وسجناء في بيئة سجن محاكاة، لم يمضِ وقت طويل حتى تحول “الحراس” إلى ممارسين للقسوة والسلطوية، بينما استسلم “السجناء” للانهيار والخنوع، أثبتت هذه التجربة ببرود مرعب أن البيئة وسطوة الدور الاجتماعي قادرتان على سحق المنظومة الأخلاقية للفرد، وتحويل إنسان عادي يدّعي الرأفة إلى نسخة لا يرضاها لنفسه في الظروف العادية.
وهنا ندرك أن فكرة المبدأ قد تتغير تماماً، وأن كثرة التباهي به دون أن تتعرض لاختبار، ودون أن تظهر حقيقة تمسكنا به، تبقى بلا جدوى أو معنى، فقوة التمسك لا نستطيع الجزم بها إلا إذا مررنا بالتجربة.
أحياناً ليست فقط المبادئ، بل الصورة التي يضعها الإنسان لنفسه ويتخيل أنه عليها، ويقنع ذاته أنه كذلك، حتى يأتي موقف يثبت له عكس الصورة تلك تماماً، فيهوي البناء الوهمي الذي قضى عمره يتباهى به.
لهذا ربما من الجدير أن لا نتباهى بما نحن عليه طالما لم نوضع بعد في مواقف تختبر معادننا الحقيقية، وأن ندرك أن اليقين الأخلاقي الحقيقي يبدأ بالتواضع والاعتراف بهشاشتنا، لا بالتعالي على ضعف الآخرين.
بقلم: نوال المطيري


