
مأوى الإنسان إلى ربّه
تمرّ بنا الأيام حاملةً في طيّاتها الكثير؛ فمنها ما يفيض بالخير والبركة، ومنها ما يختبرنا بالشدائد، ولكن ما أجمل أن يزدان يومنا بقطاف ثمارٍ هي الأحبّ إلى الله سبحانه!
تلك الثمار التي تُحيي القلب وتُزكّي الروح؛ من صدقةٍ تُطفئ الخطايا، وذكرٍ يطمئنّ به البال، وصلاةٍ هي عماد أمرنا الله بها، وصيامٍ يُربّي فينا الصبر. وما أعظمها من لحظات حين ترفع أكفّك بالدعاء في جوف الليل، أو في تلك الساعات المباركة التي يحبها الله، لتجعل من يومك بستانًا من الصالحات التي لا ينقطع أثرها.
ففي قلب هذه الرحلة..
كانت هناك فتاة تشكو الحال، مرّت بظروف قاسية جدًا، وكلّ من حولها يحاول الإساءة إليها بالعبارات؛ لتستنزف كل ما لديها، وقد لا تكون عبارات، بل قد تكون أفعالًا أنانية حاقدة. وعلى سبيل المثال، تلك العبارات والأفعال:
“ابقي كما أنتِ.. طيبة وغبية!”
“لا نريد أن نسمع منكِ كلمة لا”
“متى تتزوجين؟”
“متى تتوظفين؟”
بل وصل التمادي لقولهم: “خدّكِ خُلق للكف” أو “متى ستموتين!”.
أصبحت تلك الفتاة محبطة، ورغم محاولاتها لتفريغ ألمها بالرياضة، والكتابة، والتأمل، إلا أنها شعرت بأن الطريق مسدود، فكان يغلبها الضغط النفسي، فباتت وسادتها هي الشاهد الوحيد على بكائها الهستيري كل ليلة، وأصبح النوم هو الملاذ الوحيد والأمان الضائع.
لكن في ليلةٍ كانت ذروة انكسارها، انبعث صوتٌ من المذياع كأنه غيثٌ نزل على أرضٍ قاحلة، يتلو قول الله -تبارك وتعالى-:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [سورة البقرة: 186].
استشعرت الآية الكريمة؛ فالله سبحانه وتعالى قريبٌ منا، يسمع دعواتنا ويرانا نناجيه حيث لا يسمعنا أو لا يفهمنا أحد، وينزل السكينة والطمأنينة علينا.
وقد قال بعض السلف: “متى أطلق الله لسانك بالدعاء والطلب، فاعلم أنه يريد أن يعطيك”؛ وذلك لصدق الوعد بإجابة من دعاه. فالله يعلم مرارة الألم والابتلاء وانتظار الفرج، وأن الفرار من قلة الحيلة إلى الدعاء هو الحل، وسنرى الإجابة مثل فلق الصبح.
أصبحت تُلحّ بإصرار دون يأس على الدعاء، واستغلت وبحثت عن أحب الأوقات، وعادت إلى الله بيقين، فلا تسمع أو تسمح لأحد بالإساءة. كانت تعامل ذلك بصمت، وإن شكت فإنما تشكو إلى الله وتطلبه. والآن هي ترى نفسها حامدةً شاكرةً لله؛ فالله وحده يفرّج عنا، فإذا ألهمك في شدتك فاعلم أنه يريد أن يفرّج عنك.
فمع الله لا جرح إلا يبرأ، ولا كسر إلا يُجبر. فقط ثق بالله، واجعل هذه الآية بين عينيك مواسيةً لك:
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: 48]،
هي رسالة طمأنينة من الله لنا، وتعني أننا تحت رعاية الله، وحفظه، وعنايته، وأن كل ما نمرّ به سيذهب. فقط ثق وضع يقينك بالله. فنحن نبتهج حين يخبرنا أحد بكلمة “على عيني” أو “من هالعين ومن هالعين” أو “أبشر.. من عيوني”، فتهدأ خواطرنا ويطمئن القلب بسماعها، فكيف إذا جاءك هذا الخطاب من الله عز وجل؛ حيث لا وعد مجاملة، ولا طمأنة عابرة، بل يقينٌ مطلق. فتخيّل عندما تأتيك من الله، يصبح كل صبر واطمئنان أعمق وأسمى لديك.
فما ضاقت بنا الأسباب، وأغلقت الأبواب، واتجهنا لله، إلا فرّج عنا، وشرح صدورنا، ووفّقنا، وأرضانا، ورضي عنا. فالله أحنّ من أن يرى روحنا قد تأذّت أو تعلّقت بشيء ما، ولا يُلملمنا أو يعطينا إياه. فمن رحمة الله بنا أن نشعر بالفرج والراحة حين ندعوه، وهذا هو اليقين في شدة الألم والحزن الذي يعيشه الإنسان، فيملأ قلوبنا بأننا الآن في خير، ويليه الخير الأجمل.
وأعظم نعمة تيقّننا أن الدعاء سيُستجاب، وأن أسرع استجابة لك من الله حين تنقطع عنك الأسباب، وتشعر أنك حائر وتائه، حيث لا يوجد أحد بجانبك إلا الله. فإذا ألهمك الله الدعاء، فإنه سيعطيك حتى ترضى. فتفاءل بالخير، فالله لا يردّ أحدًا.
بقلم: خوله محمد






