الألم يولد القوة

حتى متى أظل في حلٍّ وترحال، أواصل السعي بإدبار وإقبال؟ أنازع الدهر ما انفكّ مغتربًا، عن الأحبة لا يدرون ما حالي. في مشرق الأرض طورًا، ثم مغربها، يمر الإنسان بأطوار الألم… جالس في الركن الهادئ، أسند رأسه إلى الجدار، عيناه تبحثان في المدى عن شيء غابر، لا أحد في الخارج يعلم به، والحياة تموج بأحداثها وتستمر.

كان الألم أحد أطوار خلقة الإنسان، فبه خُلِقَت الأرض وساكنوها، وخُلِق الإنسان من كبد. العظماء الذين حققوا إنجازاتهم في التاريخ، حتمًا في كل سيرة وقصة ستجد ألمًا مفزعًا، قد يكون فقد أحد الوالدين في الصغر، أو غربة روحية، أو فقر مدقع، أو مرض مزمن، أو سلب للحرية بالسجن.
هذا الشقاء ينزع الوقت والجهد، وفي غمرة اليأس، قبس ضئيل من نور يلمع في الأعماق، قبس يولد من رحم المعاناة، يمتد شيئًا فشيئًا ليصبح فكرة، ثم يتحول إلى عمل، ثم يغدو العمل حياته، منه يقتات الإنسان العظيم طعم الحياة. وهكذا تبدأ الحكايات الكبرى…

المتنبي، الذي ذاق مرارة الغربة ورفض الحكام، لم يجد في ألمه نهاية، بل وجد فيه شرارةً أضرمت في روحه نار الفخر، فصاغ من مراراته قصائدَ خالدةً، جعلها مناراً يهدي إلى قيمة الذات وسموّها. أحمد ديدات كان يهيئ نفسه ليصبح طبيبًا، حتى أيقظ مشهد في بلاده همّ الدعوة في داخله، ليصبح من أعلامها. علي عزت بيغوفيتش كتب أعظم كتبه وهو أسير، لا يرى إلا الكتب، لكن روحه لم تُقيد. محمود شاكر اعتزل الناس عقدين بعد فصله من جامعته، ليعود بكتب تهز وجدان العرب. ابن خلدون، الذي طاف البلاد وخبر السجن والنفي، قبل أن يضع للعالم علمًا لم يزل أثره حيًا.

كل هؤلاء كانوا من عامة الناس، لكنهم اتخذوا من الألم سلّمًا، وصاغوا من وحدتهم مجدًا خالدًا. في وجوههم ترى ملامح مشتركة: عزلة في مرحلة من العمر، رفض من الناس، وإيمان لا يتزعزع بما يحملونه من رسالة. الألم، وإن كان فطرة في الإنسان، ليس شؤمًا ما لم نستسلم له، بل هو الشرارة التي قد تفتح باب العظمة، لمن يملك الجرأة على استخدامه. إذا لامس الألم قلبك، فلا تُطفئه بالهرب، بل اصهره في نار العزيمة، ليكون نورًا تهتدي به، ومجدًا خالدًا تتركه للأيام.

Share on facebook
مشاركة
Share on twitter
مشاركة
Share on linkedin
مشاركة

التعليقات :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أحدث المقالات

اشترك في النشرة البريدية

مجلة إعلامية تقدم محتوى هادف لتنمية ثقافة المجتمع وتعزيز الفنون وتبني الموهبة في بيئة تطوعية.

تواصل معنا

feslmalhdf@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة لموقع سلم الهدف © 2020

تواصل معنا

عبق إيماني

فن