
محمد بن سيرين، مفسر الأحلام
العالِم الجهبذ الإمام العظيم؛ ذلك الذي ارتبط اسمه في أذهان الناس بتفسير الأحلام، حتى أصبح اسمه مرادفًا لذلك العلم الفذ الذي لا يدركه إلا من وهب الله له بصيرة. كان بن سيرين معروفًا بين الناس بحسن تفسيره للأحلام، وكان الناس يتوافدون عليه من كل حدب وصوب لاستشاراته في تأويل رؤاهم، لما كان يتمتع به من فطنة وحكمة، ولما تميز به من صدق ورؤية عميقة للأمور.
لكن؛ خلف هذا الاسم الشهير كان هناك عالم آخر، عالم متواضع بجهده وخلقه، يتجلى في حياته علمٌ غزير، وتفانٍ في طلب المعرفة. فقد نشأ محمد بن سيرين في بيئة علمية طاهرة، وكان له أبٌ ذو تجارة رابحة، الذي عزم على تحرير رقبة أنس بن مالك (رضي الله عنه)، في لفتة تجسد إحسان الاسلام.
نشأ محمد في زمن تزين فيه العلماء الكبار مثل الصحابة الكرام: زيد بن ثابت، أنس بن مالك، وأبو هريرة، (رضوان الله عليهم)
فأقبل عليهم العالِم الجليل محمد بن سيرين كما يشرع الظمآن في مورد الماء، ينهل من علمهم ويقتبس من فقههم.
كانت حياته مليئة بالتعلم والتعليم، إذ لم يكن يقتصر علمه على تفسير الأحلام فقط، بل كان يعيش على هدي الكتاب والسنة، يسعى في دروب الفقه والدين.
ثم انتقلت أسرته إلى البصرة، حيث أصبح مسجدها معهدًا له، يتعلم فيه ويعلم، ويمضي نهاره بين البيع والشراء، ولكنه لم يكن يومًا غافلًا عن ذكر الله؛ بل كان يذكّر الناس بالآخرة، يخلد علمه في قلوب من حوله. وعندما جاء الليل، كان يتفرغ للقراءة والعبادة، ويُسمع نحيب قلبه المتأثر بكلمات الله، لتبقى ذكراه حية بين الأجيال.
لكن مع هذه الحياة المليئة بالعلم والصبر، لم تخلُ حياة محمد بن سيرين من الابتلاءات. فقد ابتُلي بالسجن بسبب أمور تتعلق بتجارته، ولكنه كان ثابتًا في محنته، صابرًا على ما أصابه، مستعينًا بالله. كانت تلك الفترة من حياته اختبارًا لصبره وإيمانه، لكنه لم يثنه السجن عن مواصلة العلم، وكان لسانه دائمًا مشغولًا بذكر الله، وقلبه لم يتوقف عن التأمل في أسرار الدين.
من مواقفه الغزيرة التي يقتدى بها منها، فقد جاء بعد وفاة أنس بن مالك، حين كانت وصية أنس بن مالك الأخيرة أن يُصلي عليه محمد بن سيرين، رغم أنه كان في السجن في تلك اللحظة. تلك الوصية التي كانت أشبه بتكريم من هذا الصحابي الجليل، ألهمت قلب محمد بن سيرين، وجعلت محنته في السجن أخف مما كانت، ليظل علمه حيًا في قلوب المؤمنين، ولتبقى سيرته في ذاكرة الأجيال.
هكذا كان محمد بن سيرين، رجل الأحلام، وعالم الدين، صاحب البصيرة النافذة التي استنارت بها كثير من الأرواح، عالمًا صابرًا على البلاء، يذكر الله في السر والعلن، وتبقى ذكراه في قلوبنا لا تمحى، ومواقفه العظيمة تشهد على عظمة إيمانه وصدقه.







1 فكرة عن “محمد بن سيرين : مفسر الأحلام”
ماشاءالله جعله الله في ميزان حسنات الاستاذة رحاب ومتعنا الله بحروفها الجميلة وكتاباتها الرائعة كل الدعم والتقدير لك نرجو الاستمرار ونتمنى كل التوفيق.