
وما غربةُ الإنسانِ في غيرِ داره
ليس الغريب من فارق أرضه، ولا من شدّ الرحال بعيدًا عن مدينته الأولى، بل الغريب حقًا من فقد شعوره بالانتماء، ولو كان بين أهله وداخل داره ! فالغربة، كما يصورها هذا البيت الشعري، ليست مسافة تُقاس بالأميال، بل حالة إنسانية عميقة، تسكن الروح قبل أن تطال الجسد.
في واقعنا اليوم، تغيّر معنى الغربة ، لم تعد مرتبطة بالسفر وحده، بل أصبحت شعورًا ! حبثُ نعيش في عالم مزدحم بالناس، متصل بالشبكات، سريع الإيقاع، ومع ذلك يزداد فيه الإحساس بالوحدة ! قد يجلس الإنسان وسط عائلته، لكنه يشعر أنه لا يُفهم، ولا يُسمع ! وما أشد غربة الإنسان حين يشعر ان بيته مكانًا للسكن لا للطمأنينة .
لقد زادت وسائل التواصل الحديثة من هذا الإحساس فبينما قرّبت البعيد، أبعدت القريب ،البعض قد يتقن الحديث عبر الشاشات ! لكننا نعجز عن الحوار الحقيقي وجهًا لوجه ! وهنا تتجلى الغربة في أصدق صورها .
ومع ذلك، تبقى الغربة تجربة كاشفة؛ فهي تجعل الإنسان يعيد اكتشاف ذاته، ويفهم قيمة الانتماء الحقيقي، ذلك الانتماء الذي لا تصنعه الأمكنة وحدها، بل تصنعه العلاقات الصادقة، والقلوب التي تتسع للاختلاف، والأوطان التي تحتضن أبناءها لا تُقصيهم.
وما غربة الإنسان في غير داره……. إن وجد في قلبه دارًا، وفي روحه وطنًا، وفيمن حوله فهمًا واحتواء. فالوطن ليس حيث نعيش فقط، بل حيث نشعر أننا نحن .
الكاتبة: روان جاد الحق






