أتساءل كيف بوسع ذلك الصبي ألا يبكي على عجلته التي تمزقت من حجارة تلك القرية وهو ذاهبٌ يسير عليها لبيع المحصول، وفي نهاية يومه يقتات بثمن ذلك البيع الرغيف من الخبز والقليل من الجبن الذي يتسابق إخوته على تذوقه، إنهم في كل ليلة يفترشون الحصير في انتظاره، كيف سيدخل عليهم هذه الليلة وهو خال الوفاض؟
ومن ثم أتساءل كيف لذلك الرجل ألا يحزن وهو خارجٌ يجر أذيال الخيبة من المشفى بعد تلقيه خبراً من ذلك الطبيب الفاحص ينبئهُ أنه لن يستطيع الإنجاب وأن ذلك الأمر ضعيف بل يكادُ أن ينعدم، كيف ستبدو حياته بدون زينتها؟
ولا يفوتني أن أتساءل عن حال ذلك المُقعد على كرسيه المتحرك كيف يأوي إلى فراشه في كل ليلة يهيمِنُ عليه اليأس، ومن ثم يتوارى بغطائه يُغمضُ عينيه ويتخثر الدمع على مجرى وجنتيه عاجزاً عن النزول من فرط الاعتياد على حاله في كل ليلة، كيف سيُكمل حياته هكذا دون تحرك، دون قضاءٍ لأبسط حقوقه وحاجاته؟
إنها أقدار الله تجري على عباده بأمره وحكمته، يتسلل إلى قلوبنا اليأس والسخطُ منها ولكن يبقى هناك وازع الرضا بأن ما أصابني لم يكنُ ليخطئني، وأن ما أخطأني لم يكُن ليُصيبني.
إن ربي بحكمته نزع من ذلك الصبيّ رزقه وأبقى له أُلفة إخوته على مائدة الطعام يلتفون حول بعضهم يطعم أحدهم الآخر لقمته التي كان سيمضغها إيثاراً وحباً لأخيه.
ثم إن ربي بحكمته جعل الطبيب يصيب قلب ذلك الرجل باليأس من أن يكون له ولدُ مباركٌ يتكئ عليه في كبره وعند اشتداد نوائب الدهر عليه، وأبقى لذلك الرجل قلبه اليانع بالدعاء، أبقى له العطاء الذي تُزهر به روحه، وأبقى له حُسن الظنّ بأنه قديرُ حكيم يقول للأمرِ كنّ فيكون.
كذلك يفعل ربي بحكمته حينما ينتزع من ذلك المُقعد حركته ولكن يُبقي له البصر والسمع والفؤاد ليناجي الله كل ليلة بقلبٍ يملأه الأمل بالله سبحانه، إنه الله يُدبر الأمر يهب لمن يشاءُ إناثاً ويهبُ لمن يشاءُ الذكور، يضع الرزق وينزعه ومن ثم يكونُ العوض منه كبيراً واسعاً لا تدركه الأبصار ولا تُحيط به العقول.
فالحمدلله على الهبة والمنع، والحمدلله على الوضعِ والنزع، والحمدلله على وافر نعمه من قبلُ ومن بعد.

للكاتبة: شوق خليل.
تدقيق ومراجعة: حليمة الشمري.

Share on facebook
مشاركة
Share on twitter
مشاركة
Share on linkedin
مشاركة

التعليقات :

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحدث المقالات

اشترك في النشرة البريدية

مجلة إعلامية تقدم محتوى هادف لتنمية ثقافة المجتمع وتعزيز الفنون وتبني الموهبة في بيئة تطوعية.

تواصل معنا

feslmalhdf@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة لموقع سلم الهدف © 2020

تواصل معنا

عبق إيماني

فن