الرئيسية / ثقافة / عصف الظنون (قصة).

عصف الظنون (قصة).


رأيتها ودققت النظر فيها، فعادت بي الذاكرة إلى الوراء، إلى عشر سنوات مضت، شعرت حينها بفيض من الحنين، تذكرت تلك الأيام الجميلة عندما كنا متجاورين لا يفصل بيننا سوى جدار، أما أرواحنا فكانت تتلاقى كأختين.
كنت أختلس النظر إليها بين الفينة والأخرى، لازالت كما هي جميلة ذات طلة بهية ولكن بدأت أسال نفسي هل عرفتني كما عرفتها؟
و تزداد حيرتي عندما أنظر إليها فلا تعيرني أي إهتمام، شعرت ببعض الحزن بعد تلك الفرحة برؤيتها، فما كان بيني وبينها من جوار وعشرة سبع سنين هل يعقل أن يذهب أدراج الرياح؟
بدأت حيرتي تتحول إلى غضب، بدى على وجهي معالم الإزدراء منها، فكانت إذا تحدثت أتجاهلها وأتجاوز النظر إليها بالرغم من أن جميع من كان حاضرا يهتم لحديثها ويشاركها النقاش، ماعداي في محاولة للثأر منها في تجاهلها لي وكنت أحدث نفسي: يا لك من منافقة تجيدين فن الحديث، ناكرة للعشرة. وتلك النصيحة التي كانت دائما ترددها على مسامعي بقولها: (من ليس فيه خير لأهله فليس فيه خير لغيره) أظنها وقتها كانت فقط تدعي المثالية.

في ظل تصاعد غضبي منها عندما أراها تدير وجهها عني متجاهلة تماما من أكون! أصبحت تراودني رغبة مغادرة المنزل، و لكن ما ذنب صاحبة المنزل؟ أعود فأتراجع ساعتها وأقول لنفسي: لا تستحق مني أن أعيرها كل هذا الاهتمام، واستمريت متجاهلة وجودها.
مضى الوقت في منزل صديقتي التي اخجلتنا بكرمها حتى نادى المنادي لصلاة العشاء، فبدأنا بالمبادرة للوضوء استعدادًا للصلاة، وحينها أدهشني موقف غريب رأيت جارتي القديمة تقودها صاحبة المنزل لكي تتوضأ عندما عادت سألتها لماذا تقودينها؟ وما كل هذا الاهتمام؟ فجائتني الإجابة كالصاعقة في أذني: ” إنها جارتي، وهي إنسانة ذات خلق عال ولكن قدّر عليها بمرض خطير أفقدها بصرها”، لم أتمالك نفسي ساعتها خنقتني العبرة وانسابت دموعي كشلال على وجنتيّ، شعرت ساعتها بإحتقار لذاتي ولتلك الأفكار التي دارت في رأسي، قامت صديقتي بتهدئتي ظنا منها أنه مجرد حزن عليها، عندما أخبرت صديقتي بأنها كانت جارتي منذ زمن وأني ظننت أنها قد نسيت العشرة وتجاهلتني وأني ظلمتها بسوء ظني.
قمت بعدها للوضوء ثم أداء الصلاة و كنت أدعي الله في سجودي أن يغفر لي وأن يسامحني على سوء ظني بها وأن يرفع عن جارتي شر ما قضى و يرد لها بصرها و بعد أن أنهيت صلاتي عدت إلى المجلس لأراها جالسة أمامي،
بدون أن أشعر أحتضنتها بقلبي ودمعي وأنا أقول لها كيف حالك يا سلوى؟ أنا جارتك القديمة فاطمة، لم أصدق فقد عرفتني!، شعرت بذلك عندما احتضنتني بقوة و أخذت تقول منذ متى وأنت هنا؟ لم أعلم بوجودك، كيف حالك و حال أمك؟لقد افتقدتكما كثيرًا، وأنا كذلك افتقدتك كثيرًا ياجارتي الغالية، اعترتني لحظة خجل فلم أستطع إخبارها بما دار في خلدي نحوها، ولا أريد أن أجرحها كونها لا تبصر ولم تستطع رؤيتي. أخذت أتبادل معها أطراف الحديث، بين ذكريات الماضي تارة وبين الحاضر تارة أخرى، وكنت أشعر بمنتهى السعادة. مضى الوقت دون أن نشعر لتعلن ساعتي موعد فراقنا، فينتهي لقاؤنا في منزل صديقتنا الغالية و قد أعطينا وعودًا لبعضنا أن نجتمع مرة أخرى في منزلي.

بقلم: سهام القبي

52 تعليق

  1. مواضيعك هادفة ونعيشها معظمنا شكراً لطرحك المتميزومزيداً من التقم كاتبتنا المبدعة

  2. قصة جميلة ومؤثرة ظهر فيها عنصر المفاجئة عندما علمت الصديقة بفقدان صديقتها القديمة لنظرها.استاذة سهام انتي مبدعة ومشروع كاتبة قادمة بقوة للساحة الأدبية اتمنى لك دوام التوفيق والنجاح..طارق.

    • امل العصلاني قصه جدا رايعه تهدف الي حسن الظن بالاخرين وعدم التسرع في الحكم على الاخرين❤🥀👍

  3. قصة رائعه .. في فن التعامل مع الآخرين

    فضيق الرؤية واقتصارها على ماتقع عليه العين فقط .. سبب لكثير من المشكلات ..
    ولو اننا امتلكنا الرؤية الصقرية ..
    لما حدثت الآلآم .. والخلافات .. !

  4. رأيك يشرفني كثيراً سيدي الفاضل

  5. كما عودتينا لا يآتي منكِ الا كل إبداع
    أبيات هزت الإحساس بـ عنفوان شموخها
    ابدعتي برسم هذه الحروف . فامتعتينا بقراءتها
    صح لسانكِ و سلم نبضكِ
    ولا عدمناَ إبداعكَ المتفرد
    لا تحرمينا جمال الحرف منكِ
    دمتي بهذا التألق وأكثر
    لَكِ خالص الود وَالاحترام
    دمتي بسعاده

  6. تمتعنا دايما بكتابتها الجميلة والواقع المولم احيانا عندما تغيرنا الظروف
    من النادر نبوح عن مافي داخلنا ومن الاجمل ان سهام تعبر عننا بهذي الكلمات الجميله وعن خواطرنا التي نعجز عن البوح بها
    تقبلي تحياتي
    المبدعة الجميلة /سهام القبي

  7. جميلة ورائعة وعميقة مزح بين الحزن والفرح استمري

  8. اسلوب رائع وسرد جميل للقصة وانتقال سلس بين احاسيس عدة عشت القصة وتقمصت الدور وتفاعلت وتخليت انني فاطمة ففرحت وغضبت وحزنت وندمت وعاد لي الامل مجددا .
    اشكرك قصة واقعية وبها عبر تجعل القارئ يعيد حساباته قبل ان يحكم على الاشخاص بسرعة واحيانا في مواقف عابرة .
    اختك ومحبتك / أ – سامية

  9. مبدعهه مدربتنا الغاليه استمتعت بقرائتها ماشاء الله مبدعه في كافة مجالاتك ❤❤

  10. قصة هادفة وذات مغزى ، تجذب القارئ إليها، وهي تصور حال الكثير عند الاستعجال في الحكم ع الآخرين وعدم عذر الناس حتى يستبين حقيقة الأمر .
    والقصة قائمة على الحوار وتتابع الحوادث السريعة والمواقف المتلاحقة وعلى الخيال الداخلي ، الحبكة فيها دافئة والحوادث عفوية طبيعية لا تعقيد فيها والمواقف ترسم المكان بلمسة سريعة من غير تفاصيل ولا زوائد والحوار مع النفس رشيق يصور الشخصيات ويعبر عن دواخلها ويساعد على تطوير المواقف وتأتي النهاية مدهشة وبنفس الوقت مقلقة ولوامة للنفس في إساءة الظن بصديقتها المقربة والعزيزة ع قلبها وإن كانت متوقعة وهي منسجمة مع كل ما تقدمها من مواقف وشخصيات
    وليست مفروضة على القصة من الخارج. شكرأ أستاذة سهام القبي
    على هذه القصة الرائعة .

  11. يعطيكي العافيه سهام
    قصة من واقع الحياة. صحيح أن بعض الظن إثم. قصص دائما جميله ولها مغزى في هذهِ الحياة. شكرا وننتظر جديدك

  12. ماشاء الله طرح رائعة يمثل واقع نعيشة وهوحسن الظن مع الاخر
    والأسلوب شيق وعنصر المفاجأه اضفى عليها جمال
    جزاك الله خيراً أ/سهام القبي

  13. قضه رائعه تمس القلب ابدعت في سرد الاحداث مشوقه وهادفه

  14. موضوع جميل وهادف من المستشارة التربوية

  15. عشت إحساس بطلة القصة تألمت وغضبت ثم تأسفت لتسرعي في الحكم على صديقتي ..
    عندما يعيش القارئ قصة يقرؤها فذلك برهان واضح على الحبكة الدرامية التي تميز بها الكاتب المبدع ،
    هنيئًا لك هذا التفرد في الطرح وهنيئا لي بصديقة مبدعة مثلك
    سلمت يداك غاليتي ومزيدًا من التألق والإشراق
    خديجة الغامدي

  16. ماشاء الله مبدعه سهام كعادتها
    واصلي وننتظر اصدار كتابك الخاص

  17. دائما مبدعة سهام وفقك الله قصة مشوقة ومؤثرة
    نفع الله بقلمك

  18. حياتي ياسهوم مبدعة ياقلبي ودايم قريبة من القلب

  19. مروة عبد الحميد

    قصة جميلة استاذة سهام وكالعادة ابدعتي فيها
    (حقا التمس لأخيك 70 عذر ) معاني كثيرة وإفادة كبيرة وراء قصة قصيرة أتمنى لك مزيد من الإبداع والتألق وانا على يقين اني ساقرأ كتاب لك قريباً
    دمتي مبدعة 💕💖👍

  20. ابداع ماشاء الله قصه جميله ولا بد علينا حسن الظن بالاخرين وعدم التسرع في الحكم على الغير من ابداع لابداع

  21. ماشاءالله تبارك الله قصة جميلة ويعيشها الكثير منا ، ربي يبارك لك بموهبتك💗..

  22. مشاءالله كالعادة قصصك جميلة معلمتي♥️.

  23. ماشاء الله بالتوفيق يارب ، بأمثالك نفتخر 💙.

  24. استمري ي ابلتي المبدعه💛💛💛✨.

  25. ماشاء الله القصه جمممميله ممبدعه استمري 😍♥️♥️♥️.

  26. رائعة ومبدعة كعادتك مذ عرفتك وإعجابي بك يزداد يومًا بعد يوم
    قصة هادفة وأسلوب جميل كجمال روحك
    استمري في العطاء لا حرمك الله أجر ما تصنعين

  27. ماشاء الله احسنتي قصه راااائع استمري في العطاء والتقدم

  28. قلمك سخي وإحساسك لطيف مبدعة كعادتك .

  29. جميييييييلة

  30. أم وعد
    18 مارس 2018 في12 ص
    القصة جميلة ورائعة جدا أستمري وبالتوفيق

  31. ماشاء الله سهام مبدعه جدا كالعادة ننتظر باْذن الله صدور كتابك عن قريب

  32. مبدعه ابله سهام
    قصه رائعه في سوء الظن
    ننتظر جديدك وموفقه يارب

  33. يوهِ والله من عاداتي ماقرا قصص بس شدتّني قصتك اني اكملها استمرِي قصه ممتعه والله يوفقك يا أبلتي♥️

  34. مبدعه يا ابله سهام قصه رائعه استمري وبالتوفيق

  35. جميل جميل جميل
    لا أمل من قراءة كتاباتك
    استمري يآ رائعة

  36. مبدعه بمعنى الكلمة
    زادك الله من فضله

  37. في الحقيقة أعجبتني هذه القصة كثيرا ،جمالها يكمن في بساطة الطرح ،وتناغم الأحداث ،كذلك توظيف الكاتبة لخبراتها وقدرتها على التصوير
    أعتقد أن المتابعة في الكتابة لديك يا صديقتي ستقودك يوما إلى قمة الروائيين البارزين في وطننا السعودية
    🌹وفقك الله

  38. لاجديد سوى روعة قلمك أ. سهام
    دمتي ودام تألقك كاتبتنا المبدعة

  39. رااائعة هذه الكاتبه
    كاتبه الرمزيه
    وكاتبه ( النهايه المخفيه)
    كاتبة الحلقه الاخيره
    فعلى المشاهد ان يتابع او يقرألاخر سطر او لحضور الحلقه الاخيره لتكتمل معه الصوره
    ..
    كاتبه .. تجعل من الظل ايضاحا للسطر في الزمان والمكان الذي تختاره هي .
    .

  40. والله تعلقت بالقصص…
    “عصف الظنون”

    كلام منمق وأسلوب بديع … من سردها جعلتني وأنا أقرأها وكأني أشاهد فيلم…

    ياسهام الروائية الاستاذه…….
    لكِ شكري وتقديري على هذا الطرح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

أحدث المقالات

اعلانات


x

‎قد يُعجبك أيضاً

سأُعطيها ماتريد!

قالت: نسيت كيف أسير في هذه الحياة يابنيتي، ذُهلتُ مما قالته كيف ...